حين ننفض غبار السنين عن صناديق الأسرار الدفينة في صميم القلوب تجتاحنا لوعة الدهشة وتقتلع أوهاماً عشنا في ظلها مخدوعين طويلاً.

0 199

ترى بماذا ستبوح العمة ابتهال لغزالة من حقائق مخبأة؟ هذا ماسنعرفه في جزء اليوم……….

ريما خطاب | شبكة مراسلي ريف دمشق

مرت الأيام ثقيلة، حزينة بائسة، تمشي بلا روح أو أنفاس، تقضيها غزالة بالعمل، الذي لم يعد له ذلك البريق المحبب، بل بات (روتيناً) يفترس ساعاتها يومياً، لتقدم نتائجه نجاحاً للشبكة، ومالاً لأهلها الذين اعترفوا بجسدها المريض على أنه أكثر إبداعاً من أصحاب الأجساد السليمة، وخصوصاً عندما حاورتهم غزالة باللغة التي يفهمون (لغة المال). ولأنها روحٌ أنهكتها قساوة الأحداث الموجعة، أرادت الابتعاد قليلاً عن كل ألمٍ، لكن أين تذهب؟، إلى إخوتها، أو أخواتها! هي تريد البعد عنهم، أم إلى صديقتها بشرى؟، لكن وضع بشرى بنزوح إخوتها لا يسمح بمجال للراحة في تلك الخيام الضيقة، فكَّرت مطولاً في مكان ترتاح فيه، وتأخذ نفساً بعد شقاء طويل مرهق. تذكرت العمة ابتهال، صاحبة الجسد الأربعيني، والعقل الذي يوحي بأنه عقل حكيم في الثمانينيات، طالما أحبتها غزالة وبثتها أوجاعها، وشكت لها ظلم أمها واضطهادها، فالعمة مطّلعة على تفاصيل حياة غزالة، الصغيرة منها والكبيرة، ولم يكن بوسعها أمام ما تقاسيه من لظى سعير معيشتها، إلا أن تحثها على الصبر والاحتمال، فلابد من نهايةٍ لمأساتها، نهاية تعوضها عن كل عذاباتها. أمام باب بيت العمة القاطنة في مخيم مجاور لمخيمها، وقفت غزالة بعد أن قالت لزيد: _أنا أتصل بك حين أريد العودة. وانطلق زيد بالسيارة السوداء التي اشترتها غزالة من أجورها، التي باتت تتقاضاها من عملها في الشبكة الإخبارية، وعلى بعض التصاميم التي كانت تنجزها كعمل ثانٍ بعيداً عن الشبكة، وكلفت زيداً بمهمة قيادتها في زياراتها، وحين يحتاجها الأهل. ارتسمت الفرحة على وجه العمة المتفاجئة برؤية غزالة التي مضى وقت طويل على آخر زيارة كانت لها. رمت غزالة نفسها بحضن العمة، وكأنها طفل صغير يبحث عن راحة بعد تعب في حضن أمه. ضمتها العمة بحنانها الذي لم تنسَه غزالة يوماً، طبعت قبلاتها اللطيفة على جبينها ورأسها، وكأنها تقول لها: دخلتا غرفة كبيرة، كانت مبنية في أول البيت كغرفة استقبال للضيوف، قالت غزالة: _أريد أن نجلس لوحدنا في مكان غير هذا. _أعرف أنك منهارة، أشعر بوجعك يا ابنة أخي. أخذتها العمة لغرفة صغيرة كانت بالقرب من المطبخ، دخلت غزالة خلف عمتها، ولم ترَ من محتويات الغرفة سوى سجادة حمراء مزركشة بورود مختلفة، فغزالة لم ترفع عينيها عن الأرض، جلستا وعمّ صمت رهيب في المكان، صمتٌ أعاد غزالة إلى ما قبل الأحداث في سورية، وقبل أن تمتلك جوالاً، حيث كانت تكتب الرسائل الورقية بيدها للعمة، وترسلها مع ابن أخيها جابر. كانت تشكو لها سوء معاملة أمها، وأهوال سجنها المؤبد، فلا يسع العمة إلا أن تنصحها بالصبر. _ظننت أنك بخير بعد تميزك بعملك، فأنا أتابع أخبارك عن بعد. نظرت إليها غزالة، وبياض عينيها تحول لقطع من جمر لفرط البكاء: _أرجوك يا عمتي، لا تكوني مثلهم، ولا تقيسي الراحة والهناء بوفرة المال. _أكيد لن أفعل، لكن على الأقل لم تعودي بحاجة لأحد من أهلك، وبمجرد استقلالك مادياً هو راحة لك. _نعم هذا صحيح، وهم الآن لا يعاملونني مثل السابق، بل بات لي حظوة ومكانة. _وهذا ما قصدت يا ابنة أخي. تنفست العمة بعمق، وقالت: _لكن هذه المكانة ليست بفعل المال الذي أكسبه فقط، بل لأنني صرخت بوجه الظلم والظالمين، وقلت كفى. _لكن يا عمة ما زلت أترنح تحت ضربات حقد الماضي وسخطه. _لا يا ابنة أخي، يجب أن تتجاوزي وتنسي، واحمدي الله على خلاصك. _آه يا عمة كيف أنسى ظلم أمي؟! وتنمرها، كيف أنسى تعييرها بعرجي، وبهذه الندبة! _تستطيعين النسيان إن أردت. _عرفت ذلك، ألم أقل لك أنني أتابع أخبارك. _لن أستطيع، فأنا أرى حقد أمي في عيون كل الأمهات، لقد شوهت معنى الأمومة في عيوني. تحدق العمة بوجه غزالة بصمت كئيب، وكأنها تراها لأول مرة، وتشعر بالشفقة على ما ينتابها من مشاعر بسبب وحشية أم جابر، هي فعلاً كما قالت غزالة، لعنة لم تتخلص منها لا وهي تحت سيطرتها، ولا وهي خارج فلك الجور والبطش اللذين تمثّلا بأم جابر. ترقرقت في عينيها دموع على حالها، وبدا التوتر واضحاً عليها. قالت غزالة بهدوء شخص انتصر على جيشه، وحقق خسائر في أرواحٍ حاول دائماً الدفاع عنها وحمايتها: _أتعرفين يا عمة، والله إنني أخاف إذا تزوجت ورزقت بأولاد أن أمارس عليهم تسلط وظلم أمي. تمسك العمة بيدي غزالة وتَهمُّ بالكلام، لكنها تتراجع، وتتابع غزالة: _نعم، لقد كنت لسنين طويلة كإسفنجة أمتص حقداً، وسُمّاً زعافاً في تفاصيلي وحناياي. _كفّي عن هذا. تصرخ العمة مع ذرف دموعها العصية: تتابع غزالة سرد ضيمها بهدوء قاتل: _هذا ما سيكون مني، لذلك أصارع منذ زمن غريزة الأمومة بي، وأكاد أنتصر عليها بقرار رفضي إنجاب الأطفال. _لا، لكنني لا أريد أن أكون أم جابر ثانية، ربما بأساليب إجرام وجور أفظع. تنفجر العمة بصراخ ممزوج بعويل وندب، تهرب منه عبارات ممزقة مليئة بالأسرار: _هي ليست أمك، أمك ماتت أثناء ولادتك!! … أنت لست ابنتها! كانت هذه العبارات أطول عبارات سمعتها غزالة في حياتها، وأعمق معانٍ وصلت إليها، برغم كلماتها القليلة، لقد خرجت العمة عن صمتها المأسور، وأخبرت غزالة بأن أمها، قد ماتت أثناء ولادتها في مخاضها المعسر، والذي أدى لذلك الخلع الولادي في قدمها وأثَّر حتى على ظهرها، وأنها مع صرخة الحياة الأولى لها، كانت صرخة أمها الأخيرة في حياتها، ولهذا تزوج أبوها من أم جابر لتقوم على رعاية غزالة، وأخويها التوأم اللذين يكبرانها بسنتين، جابر ووصال، وأن بقية إخوتها هم من أبيها فقط، وقد عمد الأب على إخفاء هذه الحقيقة، كي يتجنب ما قد يترتب عليها من مشاكل قد تشوه هيبته بين الناس، حتى أنه فرض على أم جابر أن تُكنى بأم جابر كي يبقى السر دفيناً، ولا يعلم به إلا قلة قليلة من الأهل كبيري السن، الذين هم بدورهم أثنوا على هذا الفعل._كفي عن هذا الجنون، أتقابلين الخطأ بالخطأ؟

قد يعجبك ايضا