لتلك اللحظات المتسربة من كتاب أحزاني أقف اجلالا وامتنانا فهي فقط من فتحت لقلبي أبوابا من أثير الحب

56

ريما خطاب | شبكة مراسلي ريف دمشق

كان الطريق بين المخيم، و(أطمه البلد) ليس طويلاً، لكنه كان بطول شوق غزالة الذي جاء من عالم الفناء، ليولد من صمت الحنين شهوات ورغبات.
مع عجلتيّ الدراجة اللتين تدوران بسرعة قصوى، كانت ذاكرتها تدور وتعود للوراء، إلى تلك المشاهد الحميمية، التي كانت تشهدها في فترة خطبة أخواتها، أثناء زيارة الخطيب قبل حفل الزفاف، كانت تعجب بهذه المواقف الممزوجة بالحب، والشوق، والخجل المعروف عن الفتيات قبل ليلة العرس، وتفرح بفرح أخواتها اللواتي غرفن من نهر السعادة ما أردن، برغم قساوة الأهل، وتشددهم في هذه الأمور، لكنهن عشن هذه المرحلة من حياتهن كباقي الفتيات، كانت تحلم حينها أن تعيش مثلهن، وتسمع ما يسمعن من كلام غزل وحب مبطن لا يخفى على سامعيه حلّه وفهمه، ثم عرجت بذاكرتها المخزنة بأوجاعها الدامية، إلى ذلك اليوم السابع بعد زواج الفتاة، حيث تقام على شرف العروس مأدبة كبيرة، تدعى إليها هي وعريسها وأهله، وهذه العادة منتشرة في سورية جمعاء، فكانت غزالة تقوم بدورها المناط إليها في تلك المناسبات، على أتم وجه، برغم ما تلقاه من تعب وإرهاق.
تحادث نفسها أثناء العمل، وهي تجلس في المطبخ:
إنني أطهو طعام ولائم أخواتي في فرحة عمرهن، يا ترى من ستطهو لي في وليمة فرحتي؟! بعد أن تزوجن جميعهن! هي الأقدار من تجعل من غزالة في كل مفاصل الحياة محطة أخيرة، ومكاناً محبوباً ومهجوراً في آن معاً! وقفت غزالة أمام عامل الاستعلامات في بهو المستشفى، ثم نظرت لزيد وهو يخرج من الباب الكبير عائداً إلى البيت حيث أخبرته أنها ستمكث ساعة مع صديقتها المريضة، وأنها ستتصل به ليأتي ويعيدها للبيت. سألت عامل الاستعلامات عن غرفة جاسم المرود، فأشار لها بيدها نحو غرفته، اتجهت نحو الغرفة بخطى بطيئة، حذرة مرتابة، بضع خطوات تفصلها عن حبيب حلمت به سنين طويلة، واشتاقت له منذ سنة وشهر وسبعة عشر يوماً، خطوة، خطوة، وسيقع المحظور، لا لن يحدث ما تخشينه، ستكون لهفتكما مقيدة بسلاسل العرف والعادات، التي طالما تغذت عليها عقولنا وعواطفنا، ستبقى هذه الرغبات المتأججة بلهيب الشوق ملجومة بجنازير الحيطة والخوف، وقفت خلف الباب، أخذت نفساً سحبت فيه كل ضعفٍ كبّلها، طرقت الباب بيدها المتعرقة، صوت جاسم: تفضل.
أمسكت قبضة الباب بيدها المرتجفة، فتحت الباب، لتقع عيناها على جاسم الممدد على السرير بوجهه الشاحب، وعينيه الغائرتين، المصل موصول بيده ليغذي جسده الذي نحل كثيراً، وكأنه يعاني المرض منذ شهور، وليس أياما فقط، يرتدي قميصه الأبيض الذي طالما أبدت إعجابها به، فكانت تقول له في كل مرة يرتديه، بأنها تراه كملاك أبيض، قلباً وقالباً.
دخلت الغرفة، ونظرت خارجها، وماتزال تمسك بقبضة الباب، محتارة أتغلقه خلفها، أم تتركه مفتوحاً، حتى لا تترك مجالاً لما تخشاه أن يحدث أو يكون.
أخرجها صوت جاسم الذي شعر بها وبحيرتها:
دعيه موارباً، لا تغلقيه، تفضلي يا عزيزتي. أراحتها كلماته مما هي فيه، وجعلتها تشعر بالطمأنينة والأمان. تقدمت نحو السرير ذي الملاءات البيضاء كقلبها الأبيض، وجلست على السرير الفارغ المجاور لسرير حبيبها المريض، وضعت حقيبة يدها. نظر كل واحد منهم بالآخر، وكأن اللغة أخذت إجازة، سافرت بها بعيداً عن مسرح لقائهما، لتترك المجال للغة أخرى بفرد أوراق معاجمها على طاولة الحب، تأملا بعضهما بهدوء شديد، أرادا الكلام، لكنها الهيبة، هيبة هذا الحدث العظيم لكليهما. جمال غزالة الذي زاد إشراقاً، بعد أن عزفت في عينيها فرحة رؤية بسمة عمرها، وسبب فرحها، كاد أن يسلب لب جاسم، الذي سحب جسده المتعب، وجلس مواجهاً لغزالة. دقائق عناق حميم دامت بين العيون العاشقة، والقلوب المحترقة شوقاً، دقائق حب ألغت الوقت من الوجود، وكسرت عقارب الساعات، وعطلت مسارات المنطق المعهود، هي ذبذبات أوصلت رسائل المحبين دونما كلام، أجمل صمت عاشاه بضجيج مشاعرهما في أول لحظات لقائهما الأول، بعد شوق عصور! أسعفت الكلمات جاسم، فانطلق لسانه من معقله، وبثّت عيناه نظرات تحرك النار المكبوتة تحت رماد الخجل، والخوف: اشتقت إليك، غزالتي الحبيبة كم أنا مشتاق، إنك تزدادين جمالاً يوماً بعد يوم.
تتأتئ بأحرف غير مفهومة وتقول بصعوبة، وكأنها في معركة وجد، احمرّ خداها، وأصبحا كتفاحتين ناضجتين حان قطافهما:
أ … أ … شكراً لك، كيف حال صحتك؟ وكأنها تريد الهروب من طامة كبرى، توجست حدوثها. ممَ تعاني؟ منذ متى وأنت هنا؟
ضحك جاسم، وعيناه تزداد حباً، وإعجابا بارتباكها، وقال:
الحمد لله أنا بخير، لا تشغلي بالك، مجرد وعكة بسيطة (التهاب أمعاء)، وغداً سأخرج من هنا. غزالة: الحمد لله، لقد خفت عليك كثيراً.
يسحب جاسم أنبوب المصل الموصول بيده، ويقترب من السرير الذي تجلس عليه، فتهب واقفة فزعة، وتبتعد خطوتين عن السرير، فيضحك بصوت عالٍ، وهو يراقب براءة حبيبته وخوفها، ثم يقول:

يمكنكم متابعة تتمة الأحداث في الأجزاء القادمة إن شاء الله

قد يعجبك ايضا