مازالت الأحداث تتلاعب بغزالة وتأرجحها بين السعادة والحزن، والأمل واليأس؛ وتقذف بها من حال إلى حال، فبقوا معنا لنعرف ماذا تخبيء لها الأقدار أيضا…..

0 52

ريمة الخطاب| شبكة مراسلي ريف دمشق

بلحظة فرح غامرة، راحت شجيرة الرمان الواقفة تحت الممشى الإسمنتي أمام الغرفة، ترقص، وتتمايل كراقصة باليه ممشوقة القامة، نحيلة الخصر، مزينة الجيد بزهراتها الحمراء الصغيرة، هكذا شعرت بها غزالة، ولأول مرة!
أما أصيص زهر باب السرايا الممتد على عمود الخشب الذي ثبت في الأرض، بالقرب من خزان الماء، ليربط به شريط الغسيل، فقد تخطت تلك الوردة الفاتنة حدودها، وتسلّقته، لتتفرع أغصانا خضراء، زينتها ورود بألوان متعددة.
على ذاك الجدار الفاصل بين بيتهم وبيت الجيران، والذي اصطفت لَبِناتُه فوق بعضها لتكون ساترا يمنع رؤية كلّ من الطرفين، والتلصص على خصوصية الآخر، تسمرت عينا غزالة لثوان، ثم اقتربت منه أكثر، بدأت تنصت لحديثه المنساب من الثقوب الصغيرة في لبناته، وكأنها أفواه صغيرة تتحدث:
متى ستقبلين طلب حبيبك المتكرر؟ متى ستستسلمين لرغابتك الجامحة المكبوتة؟ ارفقي بحالك، وارحمي هذا الجسد العاشق. ابتسمت بحياء توّجها، وقالت بذبذبات خفية أرسلتها لذلك الحائط: ما زلت أراهن على ما تبقى عندي من صبر، وقوة احتمال.
لكنه جاسم، الشخص الوحيد الذي رآك كما ترين نفسك، وقبلك بكل ما تحملين من صفات رفضك الآخرين بسببها. نعم هذا صحيح، إنه ملاكي الطاهر، وحبيبي الذي لم تشوهني بعينيه إعاقتي، إنه أحنّ من عرفت بحياتي.
وهكذا تقابلين حبه العميق لك؟! تلتفت نحو شجيرة الرمان، وتقول لها وقد حل حزنٌ بسيط بعينيها: هل أنا ظالمة حين أرفض لقاء جاسم خلسة، وبعيدا عن الناس؟!
تتحرك أغصان شجيرة الرمان، وكأنها تجيب غزالة، التي وقفت تنتظر ردّها على سؤالها:
نعم يا عزيزتي، لقد كرر جاسم طلبه باللقاء بك كثيراً، وفي كل مرة كنت ترفضين، وهو الذي ترك جميع الفتيات، وأحبك أنت! لكنني أحبه أيضاً، ولا أرفض له طلباً، إلا أن نلتقي ويحدث مالا يحمد عقباه.
لكن لماذا حكمت على هذا اللقاء بالموت قبل ولادته؟!، لماذا تؤكدين على حدوث كارثة بحدوثه؟! لأننا نتوق شوقاً لرؤية بعضنا، لأننا لن نستطيع مقاومة هذه الصبوة التي تتأجج داخلنا ليلاً، نهاراً!
نسمة ريح قوية، حركت أغصان الشجيرة، حتى كادت أن تقتلعها، فشعرت غزالة أن الشجيرة غضبت مما قالت، فكست ملامحها لمحة انكسار وبؤس، ثم قالت:
أنا خائفة من هذا اللقاء، الذي قد يلغي بحدوثه أجمل شيء في حياتي، لا أخفيك أنني برغم تأكدي الحتمي من حب جاسم لي، إلا أنني ما زلت أظن على نفسي بهذا الحب! ألست واثقة من حبه لك؟!
بلى كل ما فيه يؤكد لي صدق حبه، لكنني أحياناً أنظر لأيامي التي قضت دون سماع كلمة حب، أو رؤية نظرة إعجاب من رجل لذلك… وتطأطئ رأسها صامتة، غارقة بالجفاف العاطفي، الذي غارت في أغواره سنين عمرها، حتى فقد الإيمان بإمكانية اخضرار ما مات عطشاً في روحها، من ذلك الجفاف! صوت الحائط المنبثق من فتحات لبناته الصغيرة، قال لها: أنت تخافين من ردة فعلك في هذا اللقاء، لا تخافين من شوق ووله جاسم لك.
الشجيرة:
نعم هذا صحيح، إنك تخافين من انجرافك خلف عواطفك، ورغباتك المكبوتة. الحائط: ربما، تلك الضمة الصغيرة كل ما يتطلع له جاسم، أما أنت فكل جوارحك، ومشاعرك تتوق للوقوع بما تخشينه!
زفرة طويلة أطلقتها، غزالة وخطت نحو العمود، وأسندت ظهرها له، وقالت بروحها المرهقة بعد الجدال بينها وبين الجدار والشجيرة، فنقلت نظرها بينهما، ثم ألقت بكلمات أعلنت فيها نهاية سجال كل ما كان فيه هو عين الحقيقة:
لن تروي تلك الضمة كل ذلك الظمأ، ولن تقنع خلايا جسدي المتعافية حديثاً من سقم اللا مبالاة، والمتحولة من كينونة الخشبية، لكينونة البشرية بلمسة عابرة هاربة من جحيم مستعر، لذلك رفضت، وأرفض! على أجنحة المفاجأة، وبوقت غير متوقع، كانت بشرى تقف أمام مدخل بيت غزالة، التي كانت نائمة في غرفتها مجازاً! غرفة المحامل، طرقات الباب المترافقة مع صوت زوجة أخيها عبد الله، أيقظتها من نومها، قامت، وفتحت الباب لتتفاجأ بصديقتها بشرى تقف على الباب، بابتسامتها العذبة المعهودة. فارتسمت بسمة عريضة على وجهها، وصاحت: بشرى!… لا أصدق عيناي، أهلاً وسهلاً تفضلي.
دخلت بشرى، بعد تبادل القبلات الحارة، والأحضان الحميمة.
جلستا في صدر الغرفة، وقبل أن تخرج سميرة زوجة الأخ، قالت غزالة:
سميرة، نريد أطيب شاي من يديك الجميلتين. ضحكت بشرى، وسميرة التي قالت مرحبة: من عيوني، أطيب شاي لعينيك، وعيون صديقتك العزيزة، ثم خرجت من الغرفة.
قالت بشرى:
تعجبني علاقتك الطيبة بزوجات إخوتك، إنك والله تتشابهين معي بهذا أيضاً، فأنا مثلك صديقة كنائن العائلة. تقول غزالة: يا عزيزتي، أنا، وأنت جبلنا ببساطة المحبة، والألفة، ولم تأخذ منا أهوال الحياة هذه الصفة المميزة.
أمعنت النظر ببشرى، وراحت تتأمل التغير الذي حل بها بعد آخر مرة رأتها بها، شحوب لونها، واللون الغامق الراقد تحت عينيها الذابلتين، ونحول جسدها الواضح جلياً، ثم قالت:
لماذا كل هذا التغير بهذه المدة القصيرة؟!… إنك تبدين متعبة جداً، ماذا هناك؟ ترتب بشرى جلستها، وتحضن وسادة صغيرة، كانت بالقرب منها، وتقول بعد أن تتنهد بهدوء: آه يا غزالة إنه الشوق، والحنين، نيرانه فعلت بي ما تفعل بالهشيم.
تحدق غزالة بها بصمت عقد لسانها، أرادت أن تواسيها، وتصبرها على ما يعتريها وتعانيه، لكن لسعات شوقها لجاسم ذكرتها أن للشوق نصالاً حادة مهمتها ذبح كل قدرة على الاحتمال، وأن كل كلام المواساة لن يوقف ذلك التدفق الوارد من حنايا الروح، يدق في أوردة الأنفاس لسعات من لهيب حارق، ولأنها تعاني ما تعانيه بشرى، لم تشأ أن تأخذ دور الواعظ الذي يلقي على صاحب المصاب نصائحه بكل ثقة، متوهماً أنه يضع البلسم على الجراح.
هي أرادت أن تقدم شيئاً لصديقتها يخفف عنها هذا الألم والشجن، لكنها لم تعرف ماذا تفعل، وهي التي تحتاج لمن يخفف عنها.
وضعت يدها على يد بشرى التي أراحتها على ركبتها، ونظرت إليها بابتسامة مواسية، قالت فيها بإيحاء من خلال نظراتها:
_ قد تحدث معجزة ذات يوم، وتزول العقبات، ويجتمع الأحباب يا صديقتي.
دخلت سميرة تحمل الشاي مع بذور دوار الشمس، والمكسرات، التي تحبها غزالة وبشرى، وضعتها أمامهن واستأذنت بذريعة العمل الذي لم تنهِه بعد، وذلك لتترك لهما حرية الجلوس، والتحدث براحتهما.
خرجت، وأغلقت الباب خلفها، وقفت غزالة، وخطت نحو المروحة الأرضية، ووجهتها نحو بشرى، التي راحت تتعرق من شدة الحرارة بعد إغلاق الباب، ثم جلست، وراحت تصبّ الشاي، وتقدمه لضيفتها العزيزة، قالت بشرى، بعد أن شربت رشفة شاي:
إنني أموت يا غزالة، لا يوجد من أبوح له بما أعانيه غيرك بعد وفاة أختي عليا، لم يعد لدي من أبوح له بأسراري وأوجاعي. وضعت غزالة صحن المكسرات أمام بشرى، وهي تقول: رحمها الله، أتعلمين أنني أحببت أباك، وأختك عليا من خلال كلامك عنهما.
تقول بشرى بحزن:
يا ليتهما أخذاني معهما، ربما كنت ارتحت من كل هذا. لا، لا تقولي ذلك، الحمد لله أنك لم تموتي.
أنا أيضاً ليس لدي غيرك صديقة أسرّ لها بما يسكنني سراً.
تضحك بشرى، ويترافق ضحكها ببكاء مرير، تمسح دموعها اللؤلؤية بيديها، فتبكي غزالة معها بنفس المرارة، فقد وقفتا لا حول لهما ولا قوة، أمام كل ما يحيط بهما من أهوال وآلام.
رغبة كبيرة بداخل غزالة تدفعها لإخبارها بعلاقتها بجاسم، لكن في كل مرة كانت تهم بفعل ذلك، كانت تمنعها وصية جاسم لها بعدم إخبار أحد بحبهما، وكان يخبرها بخوفه عليها، وخصوصاً وأنها أخبرته أنهم من سكان الريف، والمجتمع المعقد، المنغلق، الذي يحرم الأنثى جميع حقوقها، حتى حرية اختيار شريك حياتها.
بعد صمت تغشى غرفة المحامل إلا من شهقات بكائهما، قالت غزالة:
لماذا تحاصرنا الأوجاع، والهموم يا صديقتي؟! لماذا ابتلينا بأهل ظالمين، لا يعرفون الرحمة بتعاملهم معنا؟! تأخذ بشرى حبة من بذور عباد الشمس، وتضعها بفمها، وهي تقول: لو لم يكونوا ظالمين، لما تعبنا، وعانينا كل هذا!، ثم تنظر لغزالة نظرة انكسار، وتقول:
لما كنت تلوّعت، وتولّعت، وتجرعت كل هذا الوله لأبي عزو، بل كنا تزوجنا، وأكملت فرحتي به. آه يا بشرى أقسم أن بلاءنا بتخلف، وتسلط من حولنا أشد ما نعانيه في حياتنا.
قالت بشرى، وهي تمسح دمعات الضعف:
وجود مايسة في حياتي، وحده كارثة. فتمسك غزالة يدها، وتقول هامسة: اسمعيني جيداً، بصرحة أنا لم أرتَح لها أبداً، وخصوصاً أنني رأيتها في زيارتي السابقة تقلّد مشيتنا.
تبتسم بشرى، وتقول:
وأنا أيضاّ رأيتها، هي تسخر منا، ومن وضعنا، وتقلدنا، لكنني أتجاهلها دائماً. أخذت بشرى نفساً عميقاً، وكأنها تريد أن تنهي هذا الوجع المبرح، أخذت حقيبة يدها، وفتحتها ثم أخرجت شالاً أبيضاً جميلاً، وقدمته لغزالة، وهي تقول: لقد اشتريته لك أبيضاً، عّلها تبيض أيامك وأيامي.
أمسكت غزالة بالشال وفردته، كان شالاً كبيراً زينت أطرافه بحبات لؤلؤ باللون الفوسفوري، كشال العرائس، يخطف الأنظار.
ابتسمت غزالة، وقالت، وهي تعيد طيّه:
سلمت يداك، لقد ذكرتني بشيء كان يخترق روحي كلما حدث. ما هو؟
كنت كلما أردت أن أهدي أحداً، أو أن أخذ شيئاً لمريض قريب، أو غريب، كانت تقول… فتقاطعها بشرى فجأة، وتكمل جملتها عنها: تقول لك، أنت لا عتب عليك، لا أحد يريد منك شيئاً.
تفتح غزالة عينيها بشدة، وتقول، وهي تضحك:
أنت أيضاً، كانت تقول لك أمك هذا! نعم، أنا وأنت عاجزتان لا يشملنا قانون الواجب والتهادي، إذ أننا لا نعمل، ولا نملك مالاً لشراء الهدايا، وتهاديها!
غزالة:
ليس هذا فحسب، فنحن جميع القوانين لا تشملنا عند أهلك وأهلي، فنحن من (المساكين). بشرى: كم كنت أتمنى لو أستطيع أن أهدي صديقاتي حين كنّ يتزوجن، كما تفعل جميع الصديقات في هذه المناسبة.
غزالة:
ظالمون، أهلك وأهلي ظالمون. بشرى: كانت مايسة (محراك الشر) هي من تؤجج نار غضب أمي عليّ، فكانت تقول لماذا تريدين إهداء العرائس؟ … هل تظنين أنك ستتزوجين؟!، ويردون الهدايا لك؟!
غزالة:
أنا لم أحضر ولا حفلة زفاف لصديقاتي، كنت خلف قضبان سجن أمي، وخوفي، وعزلتي، أسمع أصوات الغناء، وأتمزق غلباً. بشرى: أما أنا فلم أغِبْ عن عرس لأحد الأقارب، والمعارف، مع أنني كنت أعلم بعدم رضا أمي على هذا، فهي لا تحب أن يراني أحد، وأن يعرف أنها أمٌّ لبنت لديها إعاقة!
أنت كنت تستمدين قوتك من تعاطف أبيك وحبه لك. نعم يا غزالة صدقت، لكن بعد وفاته فقدت كل قوتي.
تتنهد غزالة، وتضع يدها على صدرها، وتغمض عينيها وتقول:
معاملتهم لنا دائما بحسب أهوائهم، فأحياناً يصنعون منا أولياء، وأحيانا خلائق لا جدوى من وجودها، كم مرة سمعت من عجائز قريتنا تقول أن مثل هؤلاء يخلقون طيبون طاهرون. تضحك بشرى، وتقول: نعم ويطلبون منا الدعاء ويتبركون بنا.
غزالة:
أجل إن في تناقض معاملتهم لنا ظلم بحد ذاته. ثم قالت غزالة وهي تفتح خزانتها: حين عادت أمي من الحج، فوجئتْ بأنني ألبس ثوبا ذا لون أحمر، فقالت مندهشة:
_ أنت تلبسين الأحمر!، ماذا جرى في الدنيا؟!
وقتها لم أكن بعد أتجرأ على الكلام، فتأتأت، وأجبتها:
إنه ثوب قديم أعطتني إياه زهراء. تنهدت غزالة، وفتحت خزانتها، وأخرجت علبة مخملية منها، وضعتها أمام بشرى وقالت: افتحي العلبة…..

قد يعجبك ايضا