كفي عن هذا الجنون، أتقابلين الخطأ بالخطأ؟

0 150

كانت هذه العبارة آخر ما قرأناه من رواية غزالة الكهف التي سنتابع تفاصيلها ونعرف في أي حال أصبحت بطلتنا غزالة بعد اكتشافها أن أم جابر زوجة أبيها وليست أمها!!

ريما خطاب| شبكة مراسلي ريف دمشق

لا، لكنني لا أريد أن أكون أم جابر ثانية، ربما بأساليب إجرام وجور أفظع.
تنفجر العمة بصراخ ممزوج بعويل وندب، تهرب منه عبارات ممزقة مليئة بالأسرار:
هي ليست أمك، أمك ماتت أثناء ولادتك!! … أنت لست ابنتها! كانت هذه العبارات أطول عبارات سمعتها غزالة في حياتها، وأعمق معانٍ وصلت إليها، برغم كلماتها القليلة، لقد خرجت العمة عن صمتها المأسور، وأخبرت غزالة بأن أمها، قد ماتت أثناء ولادتها في مخاضها المعسر، والذي أدى لذلك الخلع الولادي في قدمها وأثَّر حتى على ظهرها، وأنها مع صرخة الحياة الأولى لها، كانت صرخة أمها الأخيرة في حياتها، ولهذا تزوج أبوها من أم جابر لتقوم على رعاية غزالة، وأخويها التوأم اللذين يكبرانها بسنتين، جابر ووصال، وأن بقية إخوتها هم من أبيها فقط، وقد عمد الأب على إخفاء هذه الحقيقة، كي يتجنب ما قد يترتب عليها من مشاكل قد تشوه هيبته بين الناس، حتى أنه فرض على أم جابر أن تُكنى بأم جابر كي يبقى السر دفيناً، ولا يعلم به إلا قلة قليلة من الأهل كبيري السن، الذين هم بدورهم أثنوا على هذا الفعل. في حيرة بين الفرح والحزن، بين الدهشة والتوقع، تاهت أفكار غزالة، فهي كانت تردد دائماً أنه لا توجد أم تفعل بابنتها ما تفعله بها أم جابر. دوت ضحكتها الجميلة، متعرجة تصاعدياً كسلم موسيقا، وحضنت العمة وهي تصيح: لقد تحرروا من قيودهم، لقد عادوا للحياة، إنها بريئة، كبراءة الذئب من دم يوسف، لقد اتهموها زوراً وبهتاناً!
قفز قلب العمة فزعاً عليها بعد سماع ما قالت من ألغاز، وأبعدتها عن صدرها، هزتها بقوة وهي تحاول أن تعيدها لرشدها، فقد ظنت بأنها جُنت:
ما بك يا غزالة؟!… ماذا تقولين، اهدئي. تتابع ضحكها الهستيري، وكلامها: لقد حررت أولادي اليوم بعد أن حبستهم في قفص من صنع أم جابر، لقد كسرت قيود أياديهم الصغيرة!
يتضاعف خوف العمة بسماعها هذا الكلام، وتجحظ عيناها الدامعتان، وتواصل غزالة:
وأصدرت حكم البراءة بحق الأمومة المتهمة بجرائم لا إنسانية في عالم أم جابر، لقد عادت أمومة غزالة للحياة! صراخ، ونحيب يعلو في رأسيهما لهول الحدث، فتحضن العمة جسد غزالة، الذي راح ينتفض فرحا، ونحيباً في آنٍ واحد، وغزالة تردد بصوت ضاحك تارة، وباكٍ تارة أخرى: سأكون أمّاً رؤوماً حنونا طيبة، لن أكون كأم جابر!
هناك أشياء نظن أننا نخسرها، لكننا نكتشف أنها هي من تخسرنا، هكذا هي الحياة بغرابتها وهزلها، نحن على موعد دائم معها باكتشافات جديدة، توضح لنا من خلالها عمليات سرية كانت تحيكها أيادٍ خفية، لتفاجئنا بها يوماً ما.
بذات البرود واللامبالاة، استمرت غزالة بالتعامل مع أم جابر، وبقي ذلك السر يتلاطم بين أسماعها، وتلافيف عقلها الذي حذَّر القلب من التفاعل مع سرٍّ لن يستفيد شيئاً إن أفشي به غير أنه سينكئ الجراح، فتعامت عن الحقيقة التي كانت تعلمها بإحساسها قبل أن تنطق بها العمة ابتهال.
أمام مكتبة مقر الشبكة وقفت غزالة تبحث عن مجلد تصاميم، حين دخل رجل في عقده الرابع، وقف للحظات بالباب دون أن ينطق بكلمة، ثم سعل لتنتبه غزالة له، التفتت نحو الباب، لتتفاجأ برجل طويل القامة، ممتلئ الجسم، بعضلات مفتولة، حدّق بها قليلاً، ثم قال:
_السلام عليكم، كيف الحال آنسة غزالة؟
تحدّق غزالة به، وقد بدا استغرابها واضح عليها.
يقترب منها، ويقول مجيباً على أسألتها الصامتة:
أنا تامر ابن عم المدير عبد العليم، لقد تحدثنا سابقاً عبر الهاتف بخصوص المريض جاسم المرود. تهدأ ملامحها، بعد أن تعرف من هذا الشخص، الذي للوهلة الأولى شعرت بالخوف منه. ابتلعت ريقها، وقالت: آه، الأستاذ تامر أهلاً وسهلاً.
ينظر لطاولة تحلّقت حولها بعض الكراسي، وهو يقول:
هل أستطيع الجلوس معك بعض الوقت؟ هناك أمرٌ ما، أريد التحدث به معك. عاد إحساس الخوف لقلبها، فلا شيء يجمعها بهذا الرجل سوى مرض جاسم! ترى هل به خطب؟! … هل أصابه مكروه؟
ويلي ماذا يحمل لي هذا الرجل!
أسئلة كثيرة أذابت فؤادها، وهي تقول للأستاذ تامر:
لا مانع، لكن طمئني عن المريض جاسم، هل ساءت حالته أكثر؟ قال الأستاذ تامر وهو يجلس إلى الطاولة، محاولاً إبعاد الخوف عنها: لا، لا، اطمئني لا جديد في أمره، وما أريد التحدث معك لا علاقة للأستاذ جاسم به.
تنفست الصعداء وجلست، وهي تضع يدها على صدرها، الذي كاد أن يختنق رعباً على الحبيب القريب، رغم كل تلك المسافات!
بصوت متعب مرهق، قالت:
تفضل استاذ تامر، ما الأمر؟ أخرج من جيبه علبة السجائر، وأشعل سيجارة بهدوء تام، ثم قال وهو ينفث دخانها ببطء: بصراحة، ولا أحب غير الصراحة، جئت اليوم لنكمل بعض الأعمال بيني وبين ابني عمي الأستاذ أحمد، وحين انتهينا منها طلب مني أن أحدثك بشأنه، وهو من أخبرني أني سأجدك هنا إذا لم تكوني في مكتبك.
فتحت عينيها بشدة مستغربة هذا التصرف من المدير، إذ كيف يحدّث أحداً بخصوصها هكذا!
سحب نفساً من السيجارة، وتابع بذات الهدوء:
قال لي أنك تعجبينه منذ زمن، وقد حاول خطبتك لكنك رفضتي ذلك، وهو مازال على أمل أن تعدلي عن رأيك، وتوافقي على الزواج به. تستجمع قواها، وتنفض عنها ثقل خجلها، واندهاشها، وتقول بثقة مصطنعة: لكنني أخبرته أنني لا أفكر بالزواج أصلاً، لا منه ولا من غيره.
يسند ظهره على الكرسي، ويحدق بها بتأنٍ، وكأنه يراها للمرة الأولى، فيزيد من ارتباكها وخجلها، تمسِك بالمجلد تفتحه، وتتأمله، لتخرج من دائرة الرهبة، التي حطت فجأة على طاولة جلست إليها مع رجل تراه لأول مرة، في غرفة خالية إلا من الكتب والأوراق وأنفاسهما.
تنبه لما فعله صمته بها، فسعل، وقال متداركاً الأمر:
أنا أعرف ابن عمي جيداً، إذا أحب شيئاً فلن يهنأ له عيش حتى يحصل عليه، والدليل على ذلك أنه فاتحك بالزواج كثيراً، وهذا يعني أنه يريدك فعلاً. تقف مسرعة، وتحمل المجلد، وتقول بنبرة حادة لا تشبهها: أنا لست شيئاً، وقد أخبرته بأنني لا أفكر بالزواج مطلقاً، وإذا تكرر فتح هذا الموضوع، فإنني مضطرة أن أترك العمل في الشبكة.
وتخطو نحو الباب مسرعة، فيوقفها صوته:
من قال عنك هذا؟! … أنا لم أقصد هذا، أعتذر. توقفَتْ، والتفتَتْ إليه، نظرت في وجهه، دققت بتفاصيله بلمحة عابرة، أحست بشيء غريب، شيء ليس كما يوحي به هذا الرجل الغريب، وكأنها اكتشفت طفلاً داخل هذا الجسد الضخم، يلهو ببراءة الأطفال، لم تستطع أن ترد عليه، فقد تداخلت الأحاديث، وتزاحمت الأفكار، وغاب عقل الحكمة الذي بات الانسحاب أفضل ما يأمرها بفعله. عادت لمكتبها مسرعة، فتحت بابه، وضعت المجلد على طاولة صغيرة، ورمت بجسدها على أريكة طويلة، كانت تحتل واجهة كبيرة من مكتبها، أغمضت عينيها وضمت بكفيها وجهها، لتصنع عتمة تريح بها عقلها، وقلبها من عناء التفكير بما حدث. تركت كل شيء بوقته، وركبت بواخر الحنين نحو الحاضر رغم غيابه، عادت لجاسم، الذي خطت أسنة قصتها معه أقسى جراحات عاشتها، تذكرت تلك الجملة التي كانت تخترق خلجات القلب، وتبدع في إتقان صنع طريق سري من ذبذبات عشق سحرية توصل أنفاسهما ببعض، وتزرع على هذه الطريق زهور النرجس البرية، تلك الكلمات المنبعثة من خافق واحد، من عاشق واحد، من فم واحد: أين كنت قبل الآن؟، لما لم تأتِ لدنياي قبلاً؟
فيأتي الجواب بذات اللهجة والضحكة، وذات النبرة:
كنت في القرية، أنتظرك أن تأتي من دير الزور. كنت أحافظ على روحي، لأهديك إياها مغلفة بشريان قلبي المتيم بك.
دوي انفجار قريب أفزعها، وجعلها تنتفض، وتهرع مسرعةً نحو النافذة التي شاهدت من خلالها دخاناً أسوداً كثيفاً يتصاعد، أخرجت رأسها من النافذة ونظرت حيث اجتمع الناس حول كومة حديد سوداء بالكاد تتعرف على أنها كانت قبل الانفجار سيارة.
بدأت سيارات الإسعاف والإنقاذ تجوب المكان، تسعف المصابين من المارة، وتخمد ذلك الحريق الذي تطايرت شراراته هنا وهناك في الشارع.
يا إلهي، لطفك ما هذا؟! سلم يا الله. قالت هذا، وقد خطف لونها، واصفرّت خوفاً، فجأة، فتح باب مكتبها ابن المدير، وصاح مرعوباً: أين أنت يا ابن عمي، لقد فجّروا سيارتك. وراح يبحث بعينيه في أرجاء المكتب عن الأستاذ تامر، ثم توقف نظره على غزالة، وسألها: أين تامر؟! … لقد جاء إليك، ألم ترينه؟

قد يعجبك ايضا