سلامٌ على أولئك الذين رأوا جدار روحك يريد أن ينقض فأقاموه، ولم يفكروا أن يتخذوا عليه أجرًا…

76


سنعرف اليوم من ذلك الكتف الذي اتكأت عليه غزالة وألقت عليه أعباء العمر………

ريما خطاب | شبكة مراسلي ريف دمشق

لقد كان السيد مصعب منارة تضيء درب غزالة في عالم التصميم، ومرجعاً مهماً وموثوقاً تعود إليه كلما خانتها قلة خبرتها في هذا المجال الواسع، وهو لم يبخل بشيء من خبرته الواسعة عليها.
السيد مصعب صاحب أطيب قلب، لقد لقبته بهذا اللقب، الذي لمسته فيه من خلال تعامله الطيب معها ومع الغير منذ أن تعرفت عليه في بداية عملها في الشبكة، حيث كان أحد أصدقائها على موقع التواصل عبر الانترنت، فطلبت منه ذات يوم استشارة لأمر يخص تصميم تقوم على إتمامه، وهنا كانت بداية التعارف بينهما.
ولأن حياتها كانت خالية من الأصحاب إلا من بشرى، وعلاقتها بالمحيط رسمية جداً، فقد جاء في وقته ليكون كبئر تبوح له بأوجاعها دون خوف من انتشار هذه الأوجاع الخفية.
فكان السيد مصعب ذلك البحر الذي تُغرق فيه أسرارها، وتترك لصدى صوتها أوقاتاً من الراحة المفقودة في خضم حياة صعبة المراس، هذا الرجل اللطيف الذي كان بالنسبة لها كالإحساس، تشعر به ولا تلمسه، هدية أخرى من الله سبحانه لغزالة، جاء على شكل إنسان طيب، خلوق، يحمل بين حناياه لها مشاعر الأبوة الغامرة بالحنية والرحمة التي حُرمت منها، ولين ورقة الأخوة، ومشاعر الصداقة، التي لا تحدّها حدود، ولا يؤطرها إطار، مشاعر شفافة، صادقة، خالية من المصالح والنفاق، وأحياناً كان يتسلل من بين هذا الزخم من المودة، والمحبة، والاحترام، بعض من همسات الإعجاب، والحب الهارب من شقوق خلجات الرجولة المجبولة على حب اللين، والذكاء في الأنوثة الصارخة.
مظلّة من نور شعاع الصباح الباكر، كانت علاقة غزالة بالسيد مصعب الذي طالما حملت له في قلبها وداً لم تستطع أن تُعنونه بعنوان، ولا أن تعطيه اسماً صريحاً!
فتارة، كانت تشعر به كأب حكيم، رحيم، تلجأ إليه في مواقفها العصيبة التي تتعرض لها، وتارة تشعر به صديقاً صدوقاً يقاسمها أحزانها، وهمومها، ويشاركها البحث عن حلول لها، وتارة أخرى تشعر به أخاً قريباً منها برغم بعد المسافات، وسنداً تتكئ عليه بأحمالها الثقيلة، فيخفف عنها ويكون شاطئاً تحط عليها قواربها المنهكة من تلاطم وقساوة أحداث الحياة.
أما ذلك الإحساس المبهم، الموشح بعلامات الاستفهام الكثيرة، والعَصيّ على الفهم للنفس البشرية، فقد كان كباب موارب لم تجرؤ يد على الإقدام على فتحه كاملاً، ولم تقدر يد على إغلاقه، فبقي موارباً تتسلل منه نسمات خفيفة بين الفينة والأخرى، تدغدغ مشاعر الطرفين بقناع لم تستطع كل الصراحة والشفافية التي تجمعهما بأن تكشف ذلك القناع المجهول، والمعروف في آن معاً!
وهذا النجاح جعل من المعجبين حولها مالم يخطر لها على بالٍ يوماً ما، أما ابن المدير الذي صارحها بحبه لها، وبرغبته بالزواج منها لم ييأس من تكرار فتح هذا الموضوع معها، وهي مازالت تعتذر وترفض بحجة أنها لا تفكر بهذا الأمر.
ومازالت تسأل نفسها في كل مرة ترفض فيها خاطباً، ودون أن تخبر أحداً من أهلها بأمره:
لماذا لم أعد أشعر بتلك الرغبة بالزواج، والاستقرار؟! … لماذا لم يعد للأمر تلك الرغبة وذلك التوق! … أين ذهب اندفاعي نحو غريزة الأمومة؟! … ما الذي يحدث لي، ماذا تغير؟ مع أنها تدرك أن رحيل جاسم عن حياتها، هو سبب كل هذا التغير، إلا أنها لا تريد أن تعترف بهذا، وبأنه أخذ معه كل شغف كان. كانت خيمة بشرى تزدحم بالضيوف على غير عادتها، حين قصدتها لتمضي معها بعضاً من الوقت، وتطمئن عليها، فاقتربت منها، وهمست: ما هذا، من كل هؤلاء الناس؟
فتضحك بشرى، وتجيبها بذات الطريقة:
إنهم إخوتي، وزوجاتهم وأبناءهم، لقد نزحوا البارحة بعد أن قُصفت البلدة التي كانوا يقيمون فيها. تقول غزالة: يا إلهي!!، كل هؤلاء سيمكثون معك في هاتين الخيمتين؟
لا، فقط أمي وأنا ومايسة، والبقية سيبنون خياماً في مخيمٍ قريبٍ منا. تقول غزالة، وهي تهمّ بالانصراف: حسناً، أنا أستأذن، لقد أرسلت لزيد رسالة ليأخذني.
فتقول بشرى غاضبة:
ماذا؟! لم نجلس ونتحدث بعد، لقد انشغلنا بأهلي. نعم يا عزيزتي، لكنني أرى أن لا مجال للتحدث اليوم.
تسحب بشرى غزالة نحوها، وتهمس:
لدي ما أحدثك به عن أبي عزو، وأيضاً سمعت شيئاً جديداً اليوم، فقد صادفت أم علوش في الطريق. تبتسم غزالة، وتقول: الأهم أخبار حبيب القلب، يا خبيثة، لا تهنئين إلا بالتحدث عنه.
فتضحك بشرى بصوت يؤكد كلام غزالة، فينتبه إخوتها، وزوجاتهم ومن في الخيمة، فتتدارك الأمر، وتقول لهم:
صديقتي خجولة منكم، وتريد الانصراف، تقول بأن الخيمة بالكاد تسعنا. يضحك الجميع لهذا القول، ويطلبون من غزالة البقاء، لكنها تعتذر وتعدهم بزيارة قريبة بعد أن يستقروا بخيامهم ويرتبون أمورهم، وتخرج من الخيمة منصرفة، وبشرى تمشي معها مودعة، ولأن زيداً تأخر بالوصول لها، تقف مع بشرى أمام مدخل الخيام تنتظرانه. فتقول بشرى متذكرة: آه صحيح لم أكمل لك، رأيت أم علوش، ووقفنا أمام باب الصيدلية فأخبرتني خبراً أحزنني.
_خيراً ما هو هذا الخبر؟

يمكنكم متابعة تتمة الأحداث في الأجزاء القادمة إن شاء الله

قد يعجبك ايضا