وَظُلمُ ذَوي القُربى أَشَدُّ مَضاضَةً عَلى المَرءِ مِن وَقعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ……

0 136

ريمة الخطاب | شبكة مراسلي ريف دمشق


في هذا البيت تكمن مٱساة غزالة وصديقتها بشرى والكثير من الضعفاء فدعونا نعرف المزيد في هذا الجزء عن حياة بطلتنا ………

ويحكم، لقد عكّرتم عليّ فرحتي بعشقي المخملي، وسلبتموني الاستمتاع بلقائي الأول بحبيبي، وفتحت الرسالة بلهفة أم تشتاق لعناق ابنها الغائب عنها طويلاً: كيف حال شمعة عمري ونبضي؟
أهلاً أنا بخير. ما زلت مستيقظة! … الوقت متأخر جداً، ماذا تفعلين؟
لا شيء، حاولت إنهاء بعض التصاميم المطلوبة، لكنني لم أفلح بذلك! ولماذا يا غزالتي الفاتنة؟
تتنهد، وتنظر ليدها، التي انصهرت للحظات بين أصابعه في النهار، وقالت لنفسها:
من هذه يا روحي، كيف أنام، وكل هذا الياسمين بكفي! وقربتها من أنفها، واشتمتها بعمق، وكأنها تعبُّ شهيق الحياة الأول. جاءت رسالة منه: لمَ صمتِّ؟! … بماذا تفكرين؟
بك، أفكر بلقائنا اليوم، لقد خرجت اليوم من رحم العدم يا جاسم! … لقد منحتني وسام الحياة بحبك. وأنا اليوم خرجت من رحم الضياع، لقد ولجت دنياك، حيث وجدت جاسم عندك!
حبيبي، لقد سقطت دقات قلبي بين أصابعك، اعتنِ بها. لقد سقطت على شرفات روحي يا غزالتي الفاتنة، وتفجرت من عروقي ياسميناً وجلنار.
أين كنت؟ … لماذا لم تأتِ قبلا؟! كنت في دير الزور، أحارب لأنجو بروحي التي أحييتها بحبك.
وتنطلق ضحكة منهما في نفس الوقت، وتترجم على شاشة الجوال، بأحرف (ههههه)، كثيرة متصلة لتعبر عن نشوة قلبيهما العاشقين بحجم ما احتويا من ولهٍ، وشوقٍ، وصبابة.
كان سرور بشرى عظيماً بقبول غزالة دعوة زيارتها، وقد جهزت لتلك الزيارة جلسة جميلة، كما تحب غزالة، فقد قطفت لها بعض ورود الجوري من عند جارتها، التي كانت تزرعها أمام خيامها، ووضعتها بكأس كبيرة ملونة بألوان عدة، فتماهت ألوانه مع ألوان الورود البيضاء، والزهرية والحمراء، لتضفي وريقاتها الخضراء رونقاً أخاذاً عليها، وقد عملت على تجهيز الشاي الحلو كما تحبه صديقتها، وجهزت المكسرات المنوعة، وتعمدت أن تكون هذه الزيارة في الوقت، الذي تكون فيه أختها مايسة عند بيت أخيها تساعدهم في الحقل.
جلست غزالة في صدر الخيمة، كالعادة، وعيناها مشدوهة بجمالها الذي أحبته جداً، وزاد أكثر من كل مرة، أما رائحة الياسمين المفضلة لغزالة فقد تسلّقتها الهوينة، وكأنها طفل يحبو نحو أمه.
ابتسمت، وقالت:
الله الله، ما كل هذا؟! أشعر أني عروس يُحتفى بي. دوّت ضحكة بشرى، التي راحت تقول: ولمَ لا! وهل العرائس إلا مثل غزالة، وبشرى!
ثم توقفت فجأة، وكتمت ما كانت تهمّ بقوله، مخنوقة بكلام من زجاج مكسر.
اقتربت منها غزالة، قالت ملهوفة:
ما بك؟!، لماذا احمرّت عيناك، ما هذه الدموع يا صديقتي! أجابت جميع أسئلتها بكلمة واحدة: أبو عزو.
ما به؟ لقد عرض عليّ الهرب، والزواج بعيداً عن أهلي!
صاحت غزالة:
ماذا؟! … ماذا تقولين؟! لابد أنه أصيب بالجنون، وأنت هل وافقتِ على هذا الهراء؟ تمسك بشرى يد غزالة، وتنظر بعينيها، وتقول: أهدئي قليلا، ما بك!، وهل أنا مجنونة لأقبل عرضه هذا! لكنه الحل الوحيد لقصتنا، فأمي وإخوتي لن يقبلوا بزواجنا.
تخطف غزالة يدها من يد بشرى، وتقول محتدة:
إلا هذا الحل يا بشرى، إنه الذبح، والفضيحة، أنسيتِ أهلك وعقليتهم! لا، لم أنسَ، لكنهم يقفون في وجه سعادتي، ويسعون لحرماني من الشخص الوحيد، الذي أحبني، ولم يرني عاجزة كغيره.
تتنهدان، وتهدآن معاً، كَبحرٍ تلاطم طويلاً ثم هدأ، فهذه الكلمة تختصر عمراً كاملاً من الوجد، والوصب، والكمد، والحرمان.
هذه الكلمة دمرت حياتهما، وحرمتهما من احتياجات ورغائب خلقها الله في كل أنثى، وجبلها عليها، فكانت كلمة من نار، شوهت المعاني، والثوابت، والمسلّمات في قلب وفكر غزالة وبشرى اللتين كانتا ضحية هذه الأحرف المتلاصقة كفرقة جيش غادِرٍ أحاطت بهما، وخنقت كل متنفس في الحياة.
(عاجزة)… لو كان يوجد محكمة عدل في اللغة العربية، لكانت غزالة وبشرى أول من تقدمتا بشكوى تظلّم على تلك الأحرف الغابنة، لو أن للمعاني حكماً، وقاضياً، لما ترك معنى هذه الأحرف حراً طليقاً يتسكع بين أزقة الجوى، ويغتال البسمة من شفاه العذارى، بدمٍ بارد غير آبه بعواقب جريمته النكراء.
لو كان في الدنيا عدلاً لنصبت لتلك الأحرف، ومعانيها الجائرة مشانق من زغاريد الصبايا في أعراس الحب، وليالي الأفراح الحبيسة خلف فواصل الأحداث، وعلامات التعجب والاستفهام المتحجرة على لسان الحقيقة المحتلة، منذ بزوغ صبح الخليقة، واندلاع حروب البقاء بين الأنا وحرية الأرواح المغبونة حقوقها، والمهدورة آمالها بجورٍ لا دين له.

قد يعجبك ايضا