حين نغرق في بحار الظلم والكراهية لن نخرج منها دون أن تبللنا شوائبها

50


مازلنا مستمرين مع غزالة في قصتها وقضيتها المصيرية التي تحارب من أجلها عقولا وقلوبا من جماد فابقوا معنا………

ريما خطاب | شبكة مراسلي ريف دمشق

دخلت غزالة غرفة المحامل، وأغلقت بابها مسرعة، رمت بحقيبتها على أرضها، خلعت عباءتها، وشالها، وقفت أمام المرآة، حدقت بعينين جاحظتين فيها، أخذت نفساً عميقاً، ثم نظرت ليدها التي سرقتها من أتون صبابة، حركت أصابعها، تأملتها، ثم ضمتها بيدها الثانية، وبدأت تشمها بقوة، وكأنها تشم طفلها الذي أنجبته توّاً!
يا لهذا الإحساس الرائع، وكأنه خيط نور متدلٍّ من الجنة! إحساس لم تعرفه غزالة قبلاً، ولم تسمع، أو تقرأ عنه في كتب العشق، والغرام.
هذه المسافات الشاسعة من التفتح، والانفتاح، والانطلاق نحو قادم، تبدلت ملامحه من كالحة مصفرة، إلى ضاحكة مستبشرة، هي ولادة جديدة لغزالة، جاءت بعد مخاض عسير.
في ليل ذلك النهار الهارب من حكاية سندريلا والأمير، وبعد معارك طاحنة دارت بين غزالة وبين نفسها، بين الرغبة والتمنع، بين الرفض والقبول، تمددت تحت غطائها في فراشها الذي تغشّاه دفء غريب، رغم برودة كانون المعششة في الجدران، وقطع الأثاث، وحتى على معدن المدفأة المهجورة، كغابة هجرتها طيورها، طالبة الدفء المفقود.
كانت أم جابر تغرق في نومها كعادتها منذ أول الليل، أما هي وكالعادة، تساهر الصمت، وهدوء الغرفة، وطقوس أفكارها المغلفة بورق من خيال.
صوت جوالها يعلن عن قدوم رسالة تقطع سلسلة أوهامها، التي تشبه الحبل السري، الذي يصل ماضيها بحاضرها.
فتحت الجوال، ها هي رسالة من أختها تيماء بعد قطيعة دامت شهوراً طويلة، تساءلت في سرّها:
عجباً، ما سبب هذه الرسالة؟! ما الذي ذكّرها بي الآن؟ كانت تقول الرسالة: مساء الخير، كيف حالك؟ طمئنيني عن صحتك.
ابتسمت غزالة، مخنوقة بكلمات رسالتها، وكتبت لها:
أهلاً، الحمد لله بخير، ولكن كيف تذكرتِ أن لك أختاً اسمها غزالة؟ لماذا تقولين هذا!
أنا دائماً أسأل عنك، لكنك بِتِّ عدوانية، كلما أتصل بك ترميني بوابل من لوم، وعتب.
آه، أنا أفعل ذلك، حسناً لماذا تسألين عني الآن! سأصدك بعتبي ولومي. لماذا تفعلين هذا يا غزالة!، ما ذنبنا إذا كانت أمي تقسو عليك، وتظلمك! نحن أخواتك لم نؤذِكِ يوماً.
فتكتب غزالة ضحكةً طويلة في رسالة استهزاء:
ههههههه، لا ذنب لكنّ، وأنا لا ألومكن على إجرامها بحقي، أنا ألوم من ظننت أنهم إخوتي حقاً. كفي عن هذا يا غزالة، لربما أخطأنا معك، لكننا لا نستحق منك كل هذا الجفاء.
إنني ألوم من تصلني بهم قرابة دم، ألوم من دفعوني لخوض معارك حتى أقنعهم بظلمها لي، يؤسفني أنكم إخوة، ولكن كالحبر على الورق فقط. حسناً يبدو أنك لن تقتنعي مهما تكلمت، فما فعلته أمنا بك أفقدك القدرة على التمييز بين الأشياء والأشخاص، تصبحين على خير.
أطفأت جوالها، وهي تنظر إليه بغيظ، وكأنه هو من أشعل نار الفتنة بينها، وبين إخوتها، أو كأنه هو من قطع حبال الود، التي كانت موصلة بينهم جميعاً، رغم بعد المسافات، ووجود الكثير من الحدود.
نظرت لسقف الغرفة الإسمنتي، وثبتت نظرها عليه قليلاً، ثم نظرت لباب الغرفة، الذي صنع من التوتياء الخفيفة، ومرت بالشباك الذي غُلِّف من الخارج بأكياس البلاستك الكبيرة، مروراً بالبطارية الكبيرة التي وُصلت بها الكثير من الأسلاك الكهربائية، التي توزعت بأنحاء البيت كله، فكانت كجهاز تنفس، يوزع الحياة على غرف البيت كلها، وعادت بنظرها لأمها، التي اتخذت من زاوية الغرفة الشمالية مكاناً ثابتاً للنوم، كما فعلت غزالة في اتخاذها الزاوية الجنوبية، كانت تتمنى غزالة لو أنها تستطيع النوم في غرفة المحامل، لكنها باردة جداً، ولا توجد فيها مدفأة، لذلك كانت تضطر للنوم في هذه الغرفة المتفاخرة بوهم مدفأة مسلوبة الدفء أغلب الأوقات بحجة بأنه لا داعٍ لها، وأن الجو دافئ، وأنه ليس لدينا طفل صغير نشعلها دائماً من أجله، وكأن الكبار لا يشعرون بالبرد!
لذلك كانت غزالة تمقت هذا البخل من أمها أيضاً، وتقول في سرّها:
والله لو أن الهواء الذي أتنفسه له ثمن، لمنعته عني! … اللهم خلّصني من هذا الظلم والحرمان. أغمضت عينيها، وترنحت بين الأمس واليوم، بين ضعفها، وقوتها المستحدثة في أيامها هذه، استحضرت ذلك البرد، الذي كان ينخر عظامها الهشة، والتي كانت بحاجة أبداً لذلك الدفء، الذي ضنّتْ به عليها أمها بحجج واهية، وأساليب موجعة بالنسبة لغزالة. فكم طلبت أن تشعل المدفأة لتدفئ رجلها المصابة، التي كانت دائمة البرودة، وكأنها جزء من القطب الشمالي!، وكان يُرفض هذا الطلب، تذكرت كيف كانت غرفة الأولاد محظور عليها أن تزدان بمدفأة في فصل الشتاء، وأن غرفة الأب والأم فقط من تتمتع بهذه النعمة المشتهاة. تذكرت أكوام الإسفنج السميك، والفرش العالية المحشوة بصوف ناعم حريري، والتي قضت سنينها فوق محاملها الخشبية كملكات جمال على عروشهن، شامخات عالياً، ترمق غزالة وأخواتها بنظرات، تقول فيها لهنّ: نحن لسن لكنّ، نحن لزوجات إخوتكن الشباب، هذه ورثة العروس، وهديتها الأولى من بيت (الحمو).
كانت غزالة تمقت هذا التصرف، والبخل من أمها عليها وعلى أخواتها، فهم يُحرمون الأثاث الجميل والجديد، من هذه العادة التي سادت في المجتمعات الريفية، وينامون على أثاث قديم مهترئ، يغزو من خلاله أجسادهم زمهرير قاتل.
مرة أخرى أعادها صوت الجوال لغرفتها الجليدية، تنبهت له فتحته، واستبشرت برسالة من حبيب العمر، وقبل أن تفتحها قالت:

يمكنكم متابعة تتمة الأحداث في الأجزاء القادمة إن شاء الله

قد يعجبك ايضا