في الحياة لحظات نولد منها مرة ثانية فلا نعود بعدها كما كنا، نحن أبناء اللحظة فقط من نعرف معنى موت الحياة، والحياة في قلب الموت!!

40


سنعيش مع غزالة هذا الشعور ونكتشف المزيد اليوم………..

ريما خطاب | شبكة مراسلي ريف دمشق

ما بك؟! … لا تخافي يا حبيبتي، عودي لمكانك أنت ملاكي الذي لن أزعجه أبداً. دائما كانت لكلماته وقع سحري، فهي تمسح من روحها كل قلق وتوجس، وتزرع مكانهما أماناً كأمان وطن لم تعبث به وحشية الحروب. عادت لمكانها، وبسمة خجولة تجلس على شفتيها الشهيتين: آسفة لم أقصد شيئاً، ولا أدري لماذا فعلت هذا.
ابتسامته لم تكن أقل من ابتسامتها جمالاً، فقال بنبرة حنونة:
أنا أعرف، أعرف لماذا ابتعدت عني. فتحت عينيها، وإشارات التعجب قفزت منهما، ليواصل كلامه بابتسامته المثيرة: لأنك أنقى وأطهر من عرفت، وأكثر براءة من طفلة صغيرة، مازالت تتأرجح بأرجوحة الحياء المحبب لديّ.
تاهت نظراتها بخجلها، الذي تزيد وتيرته أكثر مع كل كلمة لجاسم، وكل نظرة، وراحت تهرب متنقلة بين محتويات الغرفة التي ارتفعت حرارتها فجأة.
غرفة صغيرة بيضاء، تحتوي سريرين وطاولة تفصل بينهما، وضعت عليها بعض الأدوية، وعلبة محارم ورقية، وخزانة صغيرة، ومشبك حديدي عُلِّق عليه كيس المصل، وستارة معدنية متحركة، تفصل السريرين عن بعضهما، لكنها لم تفعل ذلك بوجودها بالقرب من جاسم.
ثم عادت بنظرها لساعة يدها، حدقت بها ثم نظرت إليه، وهو يراقب حركاتها، وسكناتها بدقة شديدة.
قال لها، بعد أن أشار لساعة يدها:
جميلة هذه الساعة، أو ربما يدك من تجملها. بحيائها المعتاد، عادت تنظر إلى الساعة ذات اللون الأصفر، والعقارب السوداء المتوزعة برقعتها البيضاء الصغيرة، ولثوانٍ شعرت بتلك العقارب تخاطبها، قائلة: لقد انتقلنا من ساحات الوهم لأماكن حقيقية بوجود حبيبك جاسم، وجئنا من بيادر العدم، لبيادر الحب، نجمع غلالاً من حب وفير.
كانت عقارب ساعتها، تتحدث بما يجول في خاطرها، فقد بدأت ساعات الوجود تزهر فرحا على يديها، أغصاناً من ولهٍ وتيه وسرور، بعد ظهور جاسم الذي كان كنجم شعّ وسطع في عتمتها فجأة.
ولأول مرة من ثمانية أعوام أحسّت بساعة يدها جميلة، كساعات الصبح الأولى، صفراء كذهب لم تشُبْه شائبة.
دغدغت أنوثتها الحالمة بما لا تستطع أي لغة شرحه، أو وصفه، فهبت من تحت حطام ما هدمته أسلحة الأعداء المحرمة إنسانياً، ونفضت عن مفاتنها سنين الموت، والفناء، وقالت بعد أن ابتلعت ريقها:
_أريد ساعة أجمل من هذه، وخاتما أزين به أصابعي.
قالت هذا وبستان الزهر متفتح في وجهها، كأنه فصل ربيع في شباب فتي.
راقت لجاسم كلماتها المبطنة برغبتها بتسريع أمر الخطبة والزواج.
هناك دائما مساحات للأمل في صدورنا، حتى لو ازدحمت بمقابر أحلامنا، فنحن نتشبث بالحياة بقدر تلك المساحات وحريتنا بها.
حركة مفاجئة من جاسم، محاولاً تثبيت إبرة أنبوب المصل، التي تحركت من مكانها في كف يده، آلمته، فصرخ متوجعاً، وسحبت الإبرة دماً منه، ليملأ الأنبوب بضعة سنتيمترات، شهقت غزالة فزعة من هذا المنظر، وهي التي تخاف رؤية الدماء، فهبت مسرعة نحوه، محاولة مساعدته دون أن تفكر ماذا ستفعل اقتربت منه، أمسكت يده التي كانت تحاول تثبيت الإبرة، ولشدة خوفها عليه، ضغطت بقوة عليها دون انتباه، مما جعل جاسم يضع يده فوق يدها، ويتوقف عن الحركة وينظر في عينيها، اللتين باتتا قريبتين جداً من عينيه، وراح يستنشق أنفاسها، وكأنه يستنشق أوكسجين الحياة لأول مرة! اختلطت الأنفاس لثوانٍ وأزيلت الحواجز، وألغيت كل قوانين تخضع لها عقول البشر.
كانت لحظة التحام الأرواح، واندماج المشاعر، واتحاد لا تجزّؤ فيه.
في قعر بركان خامد، رقدت روحهما تداعب المشاعر المرهفة بحس الود المتأصل جذوراً في أعماق الأعماق، حيث لا مكان، ولا زمان، ولا بشر.
في رقعة بعيدة عن الكرة الأرضية، ربما حتى خارج المجموعة الشمسية، رقعة بحجم وريقات قصة خرافية قرأتها غزالة ذات يوم، جلست، بحضن العشق على ضفاف أنهار الشوق الرقراقة، تلاعب فراشات الوله، وتغني لأزاهير الحب سمفونية الخلد على أوتار مشاعر من نور.
صرخة امرأة دوت في أرجاء المستشفى، أعلنت نهاية مشهد حميمي، الودّ فيه سيد كل شيء.
تنبهت غزالة لرهبة هذا الموقف، وكأنها تصحو من تخدير كان قد أخذ منها الإحساس بالأشياء، والناس حولها، فخطفت يدها من بين أصابعه الطويلة ذات البشرة السمراء وهرولت نحو حقيبتها حملتها، وركضت نحو الباب، خرجت مسرعة وكأن خطباً جللاً، يدفعها للخروج من المستشفى كله.
أمام باب المستشفى، وقفت تتصبب عرقاً، وقد كست وجهها حمرة ورد مخملي، وقفت لا تدري ماذا تفعل، نظرت لساعة يدها لم يمضِ على لقائها بجاسم سوى خمسة وعشرين دقيقة، أخرجت جوالها من الحقيبة، فتحته، وأرسلت رسالة لزيد تطلب منه أن يأتي ليعيدها للبيت.
هي السعادة الكامنة فيمن نحب بوجودهم في حياتنا بإحساسهم بنا دونما كلام، باهتمام يجيء على أجنحة صبوة تهز الوجدان وتحرك كل ركود في الأعماق.

يمكنكم متابعة تتمة الأحداث في الأجزاء القادمة إن شاء الله

قد يعجبك ايضا