حرير طفولتي

0 305

ريمة خطاب | شبكة مراسلي ريف دمشق

سيارة البحص والآليات المختصة بتعبيد الطرقات التي أحدثت ضجة في المخيم هذا الصباح، أعادتني بالذاكرة إلى زوايا طفولتي، وقريتي الصغيرة وطرقاتها الترابية.

في بداية العام الدراسي كل عام، كنت أملأُ البيت فرحاً بقدومه، فكلُّ ما في موسمِ الفرحِ هذا جميلٌ ويبعث على البهجة والسرور،
الأصدقاء، باحة المدرسة، المعلمات اللواتي يرافقننا منذ أول صف إلى نهاية المرحلة التعليمية، درس الموسيقا الذي كنا ننتظره بفارغ الصبر لنغني ما حفظناه مسبقاً ونبرز مواهبنا أمام المعلمة وزملائنا، أمّا درس الرياضة فقد كنت أحبه مثل زملائي، إلا أنني كنت أتهيَّبُه ولا أستمتع به كالباقين، فقدمي المصابة بالشلل لم تكن تساعدني على الركض خلف كرة القدم، وكذلك في كرة السلة، وبرغم صعوبة الأمر بالنسبة لي إلَّا أني كنت أختار لعبة “الريشة” والمضارب، كم كنت أحب هذه الرياضة وأمارسها مع صديقة لي كانت تكره الجري خلف الكرة!!.

كنت أعشق مدرستي الحبيبة التي كانت عبارة عن ثلاثة صفوف وغرفة للإدارة، وباحة واسعة قريبة من الأراضي الزراعية لأهل القرية.

كان تشرينا الخريفِ يتفهمان وضعي الصّحّي، فيبقيان طريقي الذي يوصلني إلى لمدرسة جافاً، وكأنه يشعر بوجعي، فيحنو على قدمي ويخفف عنها ثقل المسير لأفضل الأماكن لدي،
فكنت كعصفورة صغيرة تحلق بين البيت والمدرسة وساحة الجامع، حيث كانت ملتقى الأطفال بعد الظهيرة، نجتمع بعد أن نأكل وننهي واجباتنا المدرسية، ونحثُّ الخطا نحو ساحتنا القريبة، نفرغ فيها ضحكات البراءة وأحاديثاً ملائكية ونلعب بالحصى “الوار” و “الحجلة”، وبرغم أن “الحجلة” كانت تسبب الألم والوهن لقدمي، إلا أني لم أكن آبه لهذا الألم أمام المتعة والحماس وجوِّ التحدِّي فيها.

على حين غفلةٍ منَّا كانت الشمس البرتقالية تختبئ خلف الجبل، معلنة بذلك نهاية يومنا، فتوقظ بعتمة يحدثها رحيلها وصايا الأمهات “قبل حلول الظلام يجب أن  يعود كل منا إلى بيته”، فنودع بعضنا البعض باللعبة التي كانت من العادات القديمة والدائمة لدينا، حيث نضع أكفنا فوق بعضها، ونقول معا بصوت واحد “”يا قاعدة ع المصطبة، يا أم عيون معصبة، ع الكوم بان ياس””
وننطلق راكضاتٍ كلٌّ منّا نحو بيتها وأصواتنا تصدح بأجواء الحي،
مع غيوم كانون الأول المحمّلة بالخير لأراضي القرية.
كانت تبدأ معاناتي مع أول قطرة مطرٍ تصافح وجه الأرض بعد غيابٍ دام شهوراً، فطريق مدرستي كان يتحول لمسارات من مستنقعات، وحفرٍ عميقةٍ مُلِئَت بمياه المطر.

شعوري بالانقباض تجاه فصل الخير كان يزعجني، فكنت أبرِّرُ لنفسي بأنه لولا هذا الوحل في أيام المدرسة، من المؤكد أنني كنت سأحب الشتاء كما يحبُّه الجميع، فأقول كاعتذار طفولي بريء: “لو أنَّ العام الدراسيّ يكونُ في فصل الصَّيف، وليس في فصل الشّتاء، (لو)!!.

تعلقي الشديد بمدرستي وأصدقائي ودروسي كان حافزاً لا يسمح لي بالاستسلام لصعوبات الطريق، فكنت أرتدي مريول المدرسة “البيج” وأحمل حقيبتي بعد أن تضع أمي فيها “لفة الزيت والزعتر”، وأبدأ رحلتي الشاقة في قطع طريق حولته أمطار الأمس لأنهارٍ وسواقٍ دفاقة.
كنت ألتزم طرف الطريق، وأسند بيدي على أسوار البيوت القريبة منها، وأستعين بها على طراوة الطين، محاولةً الثبات وتجنب السقوط، في كل مرة كنت أنجو بها من الغرق في إحدى المستنقعات كنت أقف برهة زمنية لآخذ نفساً عميقاً، وأسمح لقدمي بأن ترتاح من معركتها مع الوحل، أتنفس الصُّعَداء عند الصخرة الكبيرة المتمركزة في زاوية سور بيت “أبو فؤاد”، فأجلس عليها قليلاً، يأخذني التفكير بحالي الذي يرهق كاهل طفلة صغيرة تعاني شلل الأطفال، لماذا لا يعبدون طرق ضيعتنا مثل المدينة المجاورة لنا؟!.
آه لو يعبدون هذا الطريق… كم كنت سأرتاح، ولا أتأخر عن المدرسة كل يوم !!.
وما كنت غبت يوماً واحداً، فيوم أمس حين وقعت وتبلل مريولي، ونال الماء الموحل من كتبي، لم أستطيع الوصول للمدرسة بهذا الحال، فاضطررت للغياب في ذلك اليوم.

بالأمس سمعت المدير يحدث الأستاذ فادي بأنه يوجد قرار بتعبيد شوارع القرية منذ العام الماضي، لكنه لا يعلم لماذا لم يُنَفَّذ.
أتمنى أن يبدؤوا بالتنفيذ يوم غد، وأن أرتاح من هذا الشقاء اليومي.

صوت الجرس الذي كان يضرب لجمع الطلاب، كان يخرجني من هالة التفكير والتأمل تلك، فأجُدُّ بالسير المثقل بأوزان الطين اللزج، قاصدة مدرستي الحبيبة.
برغم كل ما عانيته من شقاء وألم مرطَّبان بخيوط المواسم المرتقبة والمحاطة بعناية إلهية كانت ترافقني.
أنهيت تعليم المرحلة الابتدائية، وبنجاح أُطرِبَ له الأهل وافتخروا به أمام من كان نجاحهم أقل من نجاحي، فعمَّت الفرحة بيتنا و كانت التهنئات بلسماً شافياً لجراح تعثري طوال عامي الدراسي.
في صباح يوم صيفي حار، استيقظ أهل القرية على صوت شاحنات، و “مدحلة” وآليات جاءت لتعبد طرق قريتي!!
آلآن؟!!!
أين كنتم حين كنت أسبح ببرك المياه، وأغرق بخيرات بلادي؟!!!!

قد يعجبك ايضا