“أعارٌ أنا!”

0 107

ريما الخطاب| شبكة مراسلي ريف دمشق

صوت ضحكها العالي، أدهش صديقتها عائشة، فقالت متعجبة:ما بك يا رهام؟!!، هل سؤالي يثير الضحك لهذه الدرجة؟!!.
تقطع رهام ضحكتها، وتحاول أخذ نفس ترتاح به من ضحكة شنجت عضلات وجهها، وقالت وهي تعدل جلستها:

نعم يا عائشة سؤالك غريب، ويثير الضحك، أتوقعه من الجميع إلا منك، فأنتِ صديقتي المقرُبة، وتعرفينني جيداً، فكم مرة حدثتك عن غريزة الأمومة التي تلح علي باستمرار؟،
كم مرة حضنتُ طفلاً أمامك وبكيت؟… ودعوت أن يرزقني الله أطفالاً من زوج يحبني ويقدرني، زوج أعيش معه عمراً هنيئاً سعيداً في جو أسري دافئ حنون؟، أنسيت أحاديثنا المتكررة عن نظرة الناس لي؟… وفهمهم الجائر لوضعي؟…
كم قلت لك أن نصيبي في الزواج سيكون رجلا ذا أخلاقٍ عالية.. رجلا، إنساناً يرى (إعاقتي تميُّزا وليست عيبا)، لأنها هبة من الله أولا، ولا تعيقني عن أي عمل، ثانياً.
يا عزيزتي أنت وكل أهل الحي تعلمون أني أعمل مثل أي فتاة لا تشكو مرضاً، وإني برغم شلل قدمي والذي سبب لي عرجاً دائماً، أقوم بجميع أعمال البيت،
أنت أكثر شخص ترَيْن كيف أن أمي توكل إليَّ بجميع مهام بيتنا الكبير، وأنها ترتاح لعملي المتقن، حتى أكثر من عمل أخواتي الأكبر مني سناً.
قصدت من جميع ما ذكرت أنني مثلك ومثل جميع الفتيات، أحلم أن أتزوج وأنجب الأطفال، وأستقر مع زوج أعيش معه حياة زوجية سعيدة، وأُلبِّي رغباتٍ ومشاعرَ وأحاسيسَ وضعها الله فيني كأي أنثى، وقد ضحكت لسؤالك الذي استغربته منك.
فتقول عائشة مبررة سؤالها:

لا تتسرعي وتحكمي علي، أنا فعلاً أعلم عنك كلَّ ما قلتِ، وأعلم أكثر أيضاً، وهذا ما يزيد إعجابي بك، برغم أن بعض الناس ينكرونه عليك، لاعتقادهم بأنك غير قادرة على تحمُّل مسؤولية البيت والزوج والأطفال، ويرَوْنه عِبْئاً عليك بسبب وضعك الصحي، وأنت تعرفين رأيي جيدا بهذا الموضوع.
لكن يا صديقتي سبب سؤالي لك، إذا كنت قد قررت إلغاء فكرة الزواج، كان لأنني سمعت حديثا دار بين أمك وأمي البارحة، حين كانت أمك في زيارة عندنا، حين سألت أمي عَمَّا إذا كان يتقدم لخطبتك أحد الشباب،
جواب أمك الذي أدهشني وأثار أسئلة كثيرة لدي، فقالت أمك مجيبة أمي:
_ ماذا تقولين يا أم الفاروق؟ أي خطبة، وأي شاب؟، ألا تعلمين وضع ابنتي رهام؟، والذي يجعل من زواجها أمراً مستحيلاً، ابنتي معاقة، يعني (عاجزة)، لن تستطيع أن تتحمل أعباء الزواج، وتتحمل مسؤولية زوج وأطفال وبيت، أصلا مجرد فكرة الحمل يجعل زواجها من. المستحيلات.
أم الفاروق:

لكن يا أم زياد، رهام لا تختلف عن الفتيات بشيء، بالنسبة لأعمال البيت، فإنها تتقنها جيداً، ولا يوجد عمل تعجز عنه، فهي منذ سنين تقوم بأعمال بيتكم ذي المساحة الكبيرة، وتقوم على تلبية كل ما يطلب منها من أعمال. فأخواتها الأكبر والأصغر منها سناً يعملن في بستانكم صيفاً شتاءً مع إخوتهن الشباب يداً بيد، وهي من يرعى أمور البيت بكل تفاصيلها،
أما أمر الحمل والأطفال ورعايتهم، فكلنا يعلم أنها بحكم وجودها الدائم في البيت، تساعدك في تربية أخويها الصغرين وابن أخيها اليتيم، أتنكرين أنها تحمل عنك الكثير في هذا الموضوع؟.
تتلعثم أم زياد بالكلام، ثم تقول بحدة:

لا، لا أنكر، لكن هذا لا يعني أنها قادرة على أن تكون أُمَّاً ترعى أطفالاً بمفردها، هي تساعدني في رعاية إخوتها، ولا تربيهم لوحدها، وهذا لا يعني أنها كفؤٌ لهذه المسؤولية الكبيرة.
أم الفاروق بغضب أثاره حكم أم زياد الظالم على ابنتها:

هذا ظلم يا أختي، ماذا تقولين،
لا يجوز أن تحكمي على رهام بهذا،
فهي كباقي البنات، ومن حقها أن تتزوج مثل أخواتها، وتكون أُمّاً، وتنعم بهذه الرحمة التي وهبها الله لنا، نحن معشر النساء، فلا تكوني ظالمة، وتحرمي ابنتك نعمة نحلم بها جميعا منذ نعومة أظفارنا، أرجو أن تكون أكثر رحمة وعدلاً مع رهام، وأن تنظري للأمر من زاوية أكثر سعة ورأفة، أنت أم لخمس بنات وثلاثة أولاد، وتعرفين ما معنى أن يكون للمرأة أبناء، خصوصاً في مجتمعنا الريفي البائس.
أم زياد، وقد زادت حدتها:

ما بك يا أم الفاروق!!، لماذا تتحدثين هكذا، وتجعلين مني أمّاً سيئة، رهام (عاجزة)، لا أريد أن تتزوج وتنجب أطفالا أجبر على تحمل مسؤولية رعايتهم لعجزها عن القيام بتربيتهم،
يكفيني همومي التي تتزايد كل يوم، أولادي وحفيدي، عائلة كلها في رقبتي، منذ أن توفي أبو زياد،
ومشاكل ابنتَيَّ المتزوجتين مع أزواجهن، وتكاليف هذه الحياة التي وضعتني تحت أحمال يعجز الرجال عن حملها، أينقصني همٌّ جديد؟!!،
زواج رهام ومشاكلها وهي أضعف من أن تكون قادرة على هذا الأمر.
تتنهد وتصمت برهة، ثم تقول بصوت هادئ:

منذ شهر خطبها ابن خالتي محمد،
ومنذ يومين جاء صادق ابن المختار ليخطبها، وقد اعتذرت منهما، وأخبرتهما أن ابنتي(عاجزة) لا تصلح أن تكون زوجة، ثم تقول بصوت عالٍ، وقد تغيرت تعابير وجهها:

يا أختي، أستغرب من هؤلاء الشباب كيف يقدمون على خطبة فتاة معاقة!!،
كيف يقبلون أن يتزوجوا بفتاة( ناقصة)!.
تقول أم فاروق بلهجة لوم شديدة:
-يا ويلك يا أم زياد، ماذا تقولين!، استغفري الله، إنها ابنتك، ما هذه القسوة؟!، اسألي ابنتك عن رأيها بأمر زواجها، هذه حياتها، وهي حرة بقبول أو رفض من يخطبها.
تضحك أم زياد بسخرية، وتتبع ضحكتها بقول:

ما هذا الجنون يا أم الفاروق!!، وهل أنا مجنونة لأفعل ذلك؟!، لقد خطبت رهام كثيراً، ولم أخبرها، يوماً بذلك، أنا أرفض جميع الخاطبين، وأخبرهم بوضعها الصحي وبأمر عجزها.
وبالمناسبة هذا رأي أخواتها البنات أيضاً، فكلما كلمهن أحد برغبته بخطبتها صارحنه بعجزها ورفضها لأمر الزواج، وعدم تفكيرها به، أما إخوتها الشباب، فإنهم لا يخالفون شيئا أريده، ورأيهم لن يناقض رأيي أبداً…
بعد أن ترى أم الفاروق إصرار أم زياد وتمسكها برأيها الظالم، تتحول إلى أسلوب اللين والاستعطاف، وتحاول استدرار حنانها على ابنتها المسكينة،
فتقول:

وحِّدي الله يا أم زياد، ألم تفكري بها وبمستقبلها كيف سيكون؟!، سيأتي يوم ويتزوج إخوتها، ولن تدومي أنت لها أيضاً، ألم تفكري بها وقتذاك؟،
ستبقى بمفردها، وتعاني وحشة موجعة، لأنها ستجد نفسها وحيدة،
لا سند لها في هذه الحياة، لا ولداً يسند كبر سنها، ولا زوجاً يؤنس وحدتها، وأنت تحدثتِ عن وضعها الصحي الآن، يعني من في وضعها بحاجة لمن يكون بجانبه يعينه على تصاريف الحياة، وليس هناك أحنُّ من ولد بارٍّ، وزوج وفيٍّ رحيم.
فلماذا تؤثرين عليها بهذا كله، وتنسين أنها إنسانة، ومن حقها أن تأخذ من سُنَّةٍ سنَّها الله علينا ما كتب لها من نصيب.
تقول أم زياد كلاماً من الواضح أنه قرارٌ أخذته قديماً، وعملت على تنفيذه، دون أن تهتم برهام (كإنسانة):
(ستبقى معي لتعينني على تربية ابن أخيها، ما دمت على قيد الحياة، أما حين أموت ويتزوج إخوتها وأخواتها، فأكيد ستبقى بكنف إخوتها الشباب، وهم لن يتخلوا عنها.
أم الفاروق:

أي ظلم هذا!، إنها تستحق أن تستقل بنفسها، وتستقر مع عائلة تدير شؤونها كما تفعلين أنت الآن.
تنهي أم زياد هذا الحوار بعصبية واضحة:

كُفِّي عن هذا الآن وأخبريني، هل حددتم موعد حفل زفاف عائشة؟.
حين أنهت عائشة كلامها عن حديث أمها وأم رهام، نظرت لوجه رهام وقد كسته دهشة، وارتسمت عليه صدمة كسرت زجاج الوهم الذي عاشت خلفه سنيناً طويلة،
تحجرت دموع عينيها، فيما ارتعاشه شديدة حوَّلت جسدها إلى بركان يقاوم الانفجار، نطقت بقهرٍ حطم جدران الكبت والقهر المكتومين في القلب النقي، الذي كان يغالط النفس ويلومها كلما حاولت أن تصدق شيئا مما قالته عائشة، حين كانت تراه وتلمسه واقعاً في تصرفات أمها!!.
آه يا عائشة من قسوة سكنت معاملتها لي طوال عمري، كنت دائماً أكذب نفسي في كل موقف تزرعه في قلبي سهماً يمزقني قهراً، كانت تقمع كل حب في للحياة، وتَئِد كل أمل يخرج من رحم السجن الذي زجتني به، ونصبت نفسها سجاناً على بابه،
وكيف لي أن أرفض، أو أن أحتج؟!! أو أن أدافع عن نفسي التي أودعها الله بجسدي المريض، الذي كان حجة علي من ظالمي!!.
كانت تشعرني بأن لا قيمة لي، وكم جرحتني نظراتهم الخجولة بوجودي بينهم، كعيب، كذنب، أو عار، عشت عمراً أرتشف ذُلَّه ووجعه.
أما قلبي الطيب الذي اتسعهم جميعاً، وتفاعل مع أحزانهم ومشاكلهم، وأعطى بلا حدود، لم يكن بنظرهم سوى ملاذاً وقت الملمات، وكانوا يرون كل ما أصنعه لهم واجباً علي فعله.
عم صمت حزين لثوانٍ، ثم جلجلت ضحكة شقت أوردة القلب، وقالت:
( التعزيل.. رهام….الولائم… رهام….العناية بالمريض.. رهام….رهام…رهام…).
وحين تكون رهام مشروع زواج… وحلم استقرار وحياة زوجية سعيدة( رهام عاجزة.).
تقترب عائشة منها، وقد نزلت دموعها شفقة على حال صديقتها المغبونة، وتقول:

اهدئي….اهدئي…أرجوكِ، لن يستطيعوا جميعهم أن يسلبوكِ حقك، ستواجهين هذا الظلم والغبن بقوة، ولن تستسلمي لقرار أمك الأناني،
تتنهد رهام وتتأوه بحرقة شديدة ثم تقول:

أنت لا تعرفين أمي، وما تحمل في صدرها، ليس قلباً، بل حجراً لم يكف يوماً عن ضرب أحلامي وقلبي، حجراً معي فقط دون غيري، لأنها تراني عاجزة، خُلِقْتُ لأكونَ خادمة للجميع، مباحاً لا خصوصية له.
بعد صمت دقائق، لمعت عيناها وتلألأت بارقات تَحَدٍّ خلق من جور عتيق.
صاحت بصوت امتلأ إصراراً وعزيمة:

لكني لن أستسلم لجورهم، لن أرضخ لقرارات مجحفة ظالمة، أنا إنسانة ولي كياني، لن أسمح لهم بإلغائي، وقتل ما استوطن الروحَ منذ جبلت وخلقت.
سأجابه الجميع، وأفهمهم أن شلل قدمي لا يعني شلل قلبي ومشاعري….،
سأدافع عن حقي بأن أكون حلماً سيغدو يوماً حقيقة، وسأصبح أمُاً تعطي دون مقابل، وأقاوم أفكارهم المعاقة بقوتي وحبي لحياةٍ تزخر بألوانِ الحياة.

قد يعجبك ايضا