اختناق

199

ريمة خطاب | شبكة مراسلي ريف دمشق

كحبلٍ من نار جحيم مستعرة كان يخنقني صراخه، ويغرز في صميم قلبي خنجراً من شوق وحنين لأولادي علاء و باسم اللذين يدعمان حراك الثورة من الخارج!، واللذين لم أرَهما منذ ثلاث سنوات، فقد لجأا لأوروبا بعد أن تم اعتقالهما أكثر من مرة،
وصار لابد من إبعادهما عن مكان سيطرة المجرمين، إلا أن ولاءهما لم يقل ببعدهما عن ربوع الوطن الحبيب، فقد كانا أبداً يدعون للثوار ولثورة الحرية.
أكثر كلمة كانت توجعني، حين كان يصرخ تحت سياطهم:
آخ يا أمي كنت أشعر أنه يستنجد بي، وأنا العاجزة عن الدفاع عنه من وحشيتهم. أمام باب زنزانتي قيدوا يديه بسلاسل الكره والحقد، وكانوا يتناوبون على تعذيبه، في النهار كان الكرباج يأكل من جسده قطع لحم ويحفر فيه أخاديد حمراء، وفي الليل تقض مضجعه صعقات الكهرباء، وكلما جاؤوا لي بالطعام تقصدوا فتح الباب طويلاً كي أشاهد نتائج بطشهم، ليضغطوا علي أكثر ويجبروني على الاعتراف، لكنني قاومت كل أساليبهم وتحديت كل إجرامهم، فمهما فعلوا لن يأخذوا مني ما يؤذي أبنائي، ومن معهم من الشرفاء الذين يساهمون بما يقدرون عليه لاستمرار مسيرة الحق بعد أن نهضت لتصرخ في وجه العدوان والاستبداد. بعد بقائي في معتقلاتهم الخسيسة لمدة شهرين وعشرين يوماً أخبروني أنني سأخرج باتفاقية مصالحة لمعتقلات ذلك الفرع. في ليلتي الأخيرة في زنزانة الموت اشتد صراخ ذلك الشاب العشريني وتضاعف توجعه الصارخ، وكأنه يذبح بسكين صدئة، وتكررت استغاثاته وصراخه: آخ ياأمي… آخ يا أمي.
وبدون شعور ركضت نحو الباب، ونظرت من شباكه الصغير وناديت:
يا عيون أمك. فقال لي وقد علم بخروجي غداً صباحاً: أمي… حين تستنشقين نسائم الحرية، أخبري من سعى لها أن يثبت في طريق النضال الشائك، وأن يرخص الأرواح فداء لها، أمي… خذي معك صرخاتي من هذا الجحيم وعلقيها على أبواب الأجيال القادمة أناشيد عز وكرامة.
حين قادني العسكري من زنزانتي للخروج من المعتقل في صباحي الأخير عندهم، هالني رؤية ذلك الشاب وقد غرق بدمائه، بعد أن نزفت بغزارة من جميع أنحاء جسده وكأنه يخبرني أنه فارق الحياة حين فارقته، وفارقت أناته مسمعي!.

قد يعجبك ايضا