انتزاع روح.

410

ريمة خطاب | شبكة مراسلي ريف دمشق

بخطى مثقلة برهبة اللقاء، تقدمت نحو البوابة الكبيرة، تجاوزت بلاطات الممر العريض التي ثبتت نظرها عليها وهي تتقدم، لم تتجرَّأ أن تنظر لأحواض الورود التي تملأ الممر، لأنها لن ترى الخالة نجمة تسقيها، وتغسل أوراقها المغبرة، ولأنها متأكدة أنها ستكون ذابلة وحزينة بعد موت الخالة، آثرت عدم النظر إليها،

أما “العريشة” التي وزعت فروعها على طول الممر، ونثرت أوراقها الكثيفة لتتعانق كالعشاق، فقد اصفرت أوراقها، وذبلت وسقطت على الأرض حزناً لفراق نجمة الدار.

وريقات الجوري التي تناثرت هنا وهناك على الأرض، كانت تخبرها بأن شجيرات الجوري يبست أغصانها، وماتت ورودها من شدة العطش.

فأي ساقٍ يروي ظمأها كما كانت تفعل تلك الحنون!

الأريكة القديمة التي وضعت في صدر الممر، تحت شباك غرفة الضيوف، مازالت في مكانها، لكن النجمة التي كانت تضفي رونقاً وجمالاً رائعين عليها لم تفعل هذه المرة.

اقتربت أكثر، رفعت رأسها ليحدث ما كانت تخشى منذ الخطوة الأولى، العم أبو ورد زوج الخالة نجمة، الرجل الطيب ذو السبعين سنة، الذي اعتادت رؤى أن تجلس معه ومع الخالة نجمة في كل زيارة، وقعت عيناها عليه، رجف قلبها وتحجرت الدمعة في عينيها، لا تريد أن تبكي، اقتربت “العمر لك عمي”، تسمَّر في مكانه وحدَّق بها، صمتٌ رهيب غطى المكان للحظات، مسح وجهه بكفه، اقترب منها وقال بصوتٍ اجتمعت فيه أحزان تشطر القلب إلى نصفين:

  • كيف عرفت، من أخبرك؟!

لم يسعفها الكلام، كمن وقف في حلقه حجر، صمتت لكن الدمعات المتحجرة تكلمت متألمة، وضعت حقيبة يدها على الأريكة، خطت خطوتين نحو أصيص الريحان ومررت كفيها عليه لتفوح رائحته العطرة وقالت:

  • البارحة كنت نائمة تحت قبة السماء المظلمة، وكانت هناك نجمات قليلات متفرقات يكسرن عتمتها، غفت عيني لحظة وكنت بين الواقع والحلم، شعرت بلسعة برد ليل أيلول، وتنعمت بدفء حلم مبهم، جاءت نجمة وهي تحمل عنقود عنب قطفته من هذه العريشة، وأشارت بيدها للعريشة المصفرة، أخذَتْ نفساً عميقاً ثم تابعتْ، بعد أن قدَّمتْ لي العنقود وقالت:
  • خذيه وأطعمي منه عمك “أبو الورد”، إنه جائع لكنه لا يأكل، ولديه منذ أيام زائر ثقيل فليصبر عليه ويحتمل ضوضاءه الموجعة، قولي له أن نجمتك الحبيبة لن تغيب أبداً، ستظل في سمائك ترقبك وتزورك كل ليلة، هي لحظات يا عمي قالت هذا ورحلت.

فتحتُ عينيَّ فزعةً، لم أعرف تأويل هذا المنام لكنه أقلقني، لذلك جئتك مسرعة حين جاء هذا الصباح.

تنهَّد أبو الورد ومسح دموعه، كابرَ وحاول جاهداً إخفاءها لكنه فشل:

  • آه يا ابنتي كانت تريد إخبارك بأنها توفيت منذ بضعة أسابيع، وهي تعلم بأن زيارتك لي ستخفف عني شيئاً من هذا الحزن والأسى، نعم لقد فارق جسدها هذا البيت الذي بنيناه معاً، هذا البيت الذي ضمَّنا خمسين سنة، كل شبرٍ فيه يفتقدها، كلُّ ركنٍ من أركانه يبكيها، وكما ترين حتى الزرع والأزهار في حداد مذ رحلت! لكنَّ روحها لاتزال ترقص كالفراشة في فضاء غرف البيت.

ما زلت أشمُّ رائحة قهوتها كل صباح، وأسمع دعاءها الشجيّ بعد كل صلاة، فتقول بحسرة المفارقين:

  • يا عمّ، هي قالت لي أنها ستبقى تلمع في سمائك مدى الحياة، تنيرها وتضيء قلبك كلما عصفت بك يد الشوق، لا تركن للحزن وتستسلم لألم الفراق، ستستمر الحياة، ولن تختفي النجوم من السماء، فالقلوب العاشقة بصدق حبها لا يموت، لا تظن أني أقول هذا الكلام لك فقط، إني أوجه كلامي هذا لنفسي أيضاً، إذ أن رحيلها ترك فراغاً كبيراً في حياتي، هل أستطيع نسيان حنانها ورعايتها واعتنائها بي حين كنت ضعيفاً لا حول لي ولا قوة؟ بعد استشهاد أبي وأمي مع إخواني الصغار، لقد كانت كل أهلي، كانت الأم الرؤوم والأب الحاني والسند لي، أتعلم يا عمي، طول طريق عودتي من السفر وأنا أتذكر مواقفها الطيبة معي، لم تكن تعاملني يوما كجارة، وكل من كان يرانا ولا يعرف نوع علاقتنا، كان يظن أنَّنا ابنةٌ وأمها.

أخرجت من جيبها منديلاً ومسحت دموع العم، أمسكت يده وقالت:

  • هيا لنسقي الزرع والورود معاً، نجمتنا كانت تعشق بستانها الصغير هذا، ولم تترك رعايته يوماً، وحاله اليوم يجعلها حزينة.

فتح صنبور الماء الذي وصل به خرطوم وبدأ يسقي الأحواض، تعمَّدت أن تبتعد عنه قليلاً لتخفي دموعاً عبثاً تحاول إخفاءها،

رشَّ الورد بالماء، أخذه شروده إلى حيث لا مكان!

نظر لباب البيت، خرجت نجمة تحمل صينية القهوة، والبسمة العذبة والعينان البراقتان تغزلان قصائد عشق عتيق!!…

قد يعجبك ايضا