حين تغتال بسمتنا يد الظلم وتتركنا مضرجين بجراح الفقد واللوعة تموت فينا الحياة… سنعرف اليوم سبب حزن بشرى صديقة غزالة ذات الضحكة المقتلولة……

136

حين تغتال بسمتنا يد الظلم وتتركنا مضرجين بجراح الفقد واللوعة تموت فينا الحياة…سنعرف اليوم سبب حزن بشرى صديقة غزالة ذات الضحكة المقتلولة…… غرقت غزالة في صمت كئيب، وعيناها تمران على كل شيء على جانب الطريق الترابي، الذي سلكه زيد لقلة الازدحام فيه، فالشارع الرئيس تتصادم فيه السيارات، والدراجات، والمارة، مما يجعل من يرى ذلك يظن أنه يوم المحشر! الشارع، والناس، والأشجار، والخيام، والبيوت الصغيرة، التي تذكرها ببيوت الأقزام، لم تُزِحْ عن وجه غزالة ذلك الشجن الراقد كوحش افترس فريسته الضعيفة بكل سهولة. كعادتها غزالة صعدت الدراجة، وبدأت بأول تدريباتها اليومية، بعد أن سلمت على جميع النساء المرضى، اللواتي أصبحت تجمعهن محبة كبيرة. قالت بشرى لها بوجه واجم حزين: _لقد تشاجرت مع أمي، ومايسة، قبل أن آتي إلى هنا. نظرت غزالة بعينيها اللتين طغى عليهما الحزن هي الأخرى، وعلى غير العادة، لم تكن مبتسمة، ضاحكة، ثم سألتها: _نعم، لقد أخبر أبو عزو أخي بأمر خطبته لي من أمي، ورفضها له. _لقد أحسن الصنع أخوك، صديق أبو عزو، وهذا لصالحكما. _بالعكس يا غزالة، لقد زاد الأمر سوء. _لماذا، هل هناك شيء جديد؟ جن جنون أمي ومايسة عندما علمتا بالأمر، وبدأتا بلومي وتجريحي بكلامهما، اتصلت أمي بي، وحذرتني بأنه إذا فتح الأمر مرة أخرى، ستأخذني لعندهم في منطقتنا. _أخي لا يعارض، لكن هناك من يحشوه بالأفكار السيئة عني، وعن أبي عزو. _من تقصدين؟ مايسة؟ _ماذا كان رأي أخيك بالموضوع؟ _نعم هي، وهل هناك من يضمر لي الشر غيرها! _إنها تغار مني، ولا تستطيع أن تتحمل رؤيتي سعيدة. _يا إلهي لماذا تفعل هذا؟!… وما يضيرها إذا تزوجتِ؟! جلستا على الأرض في زاوية الغرفة، حيث تستطيعان التحدث دون أن يسمعهما من في الغرفة. وبدأت بشرى تحكي لغزالة كيف كانت مايسة تفتعل المشاكل في البيت، لتسبب لها اللوم، وأحياناً الضرب من أمها التي تتأثر بكلام مايسة، وتصدق أكاذيبها، فتغضب، وتثور، وتعاقبها دون وجه حق. مايسة كانت محراك الشر في البيت، فغيرتها من أخواتها كانت تجعلها كمجنون فقد السيطرة على نفسه، وكل من في البيت يتجنبها اتّقاء لشرها المستطير. لكن بشرى، كانت أكثر أخواتها عرضة لأذاها، وخصوصاً بعد أن مات زوجها، وعادت لبيت أهلها أرملة مكسورة لم ترزق بالأولاد. دمعت عينا غزالة، وهي تسمع مأساة بشرى، التي تحاكي مأساتها مع أهلها، لكنها مسحت تلك الدموع خوفاً من أن يراها أحدٌ، نظرت لبشرى، وسألتها سؤالاً تعرف مسبقاً جوابه: _ماذا كان رأي مايسة من خطبة أبي عزو لك؟ تعالي نجلس، ونرتاح، وسأكمل لك عن حقدها لي. حدقت بشرى بغزالة، فتحت عينيها مستغربة من السؤال، ثم نظرت للأرض، وقالت: _لقد غضبت غضباً شديداً، ورمتني بسهام حقدها، ووحشيتها التي لم أرَ يوماً منها غيرها، واختنقت بكلمات لم تنطقها، فكتمت صوت أنينيها بكفها، وتركت تلك المهمة لعينيها الجميلتين. لم تستطع نطق كلمات أختها مايسة القاتلة، لم تستطع أن تقول لغزالة أن مايسة غذّت أمها بخبثها، وأنها صبت النار على الزيت، وقالت لأمها: -كيف يتجرأ على خطبتها؟!، وهو متزوج من اثنتين!، وكيف يرضى أن يتزوج من عاجزة! كان حديث مايسة مع أم بشرى على الجوال ينزل كحجارة منجنيق على قلبها، فكلماتها أشد فتكاً من البارود. _ألا يرى عرجها، وانحناءة ظهرها!، كيف يفكر بعاجزة إنه شخص مجنون؟! وأكثر ما آلم بشرى، أنها حُرمت رؤية أبي عزو في بيت أخيها، فقد قالت مايسة لأمها، أن بشرى تلتقي به في بيت أخيها، وأنها قد تجلب للعائلة العار بلقائهما، وهذا ما جعل من أمها تحرمها من زيارة أخيها جار أبي عزو كي لا تراه. حزنت غزالة جداً لحال صديقتها الطيبة، اقتربت أكتر منها ورفعت لها رأسها، وبيديها مسحت دموعها الصامتة، وهمست لها: مسحت بشرى دموع الغبن والغلب ووقفت، مشت نحو الدراجة الثابتة، اعتلتها، وبدأت بتحريك عجلاتها بقوة، وقفت غزالة قربها على قطعة الحديد، وبدأت بتمرينها. دخل الطبيب غرفة النساء، وقال بصوت حزين بعد أن ألقى التحية: _أعتذر منكن جميعاً، فهذا آخر يوم لنا في المركز. _امسحي دموعك، قبل أن ينتبه أحد. _لكن، ألم تجدوا من يدعم المركز؟، يا إلهي أين سأكمل علاج ابني؟ _أنا آسف، لقد حاولنا كثيراً، لكن دون فائدة، ولن نستطيع الاستمرار. وكأن قلب غزالة توقف عن النبض، لقد حدث ما خشيت حدوثه طويلاً، سيغلق المركز أبوابه، التي نسيت داخلها أوجاعها، وبطش أمها، وأحداثاً مقيتة مرت بها، وتعرفت على صحبة ألفت رؤيتها كل يوم، وملأ هذا المركز حيزاً كبيراً من حياتها البائسة. طرق باب الغرفة الأستاذ جاسم، ودخل: شهق الجميع خائفين حزينين، قالت أم علوش: _وعليكم السلام، الحمد لله. _السلام عليكم، كيف الحال؟! _جئت أودعكم جميعاً، بما أنه آخر يوم لنا في المركز. _ولكي أعطي الآنسة غزالة أجر تصميم بطاقات المكتب، وأخرج من جيبه مبلغاً من المال، وأعطاها إياه. مدت غزالة يدها المرتجفة بهدوء، وأخذت النقود. وقال متابعاً، وهو يخطو نحو غزالة: _كنت أودّ أن تكملوا علاجكم هنا جميعاً، لكن الظروف أقوى منا، لقد سررت بمعرفتكم جميعاً، شفاكم الله، وأرجو أن تجدوا مركزاً تتابعوا فيه علاجكم. كطيور مهاجرة بعيداً، هجر النوم عيون غزالة، فقد نال منها الأرق المضني، الذي استحل منها الروح والجسد، ومحاولاتها العديدة بالرقاد باءت بالفشل، حدقت بوجه السماء الموشح بصفاء وسكون، والذي أضاءه قمر تموز الفتي وحبيبات النجمات المتلألئة حوله. قالت في سرها بعد أن أزفرت زفرة طويلة: قال الطبيب: _يا الله كم أنا متعبة، متى أنتهي من كل هذا الوصب؟ لا أهل، ولا عمل، ولا استقرار، ولا راحة بأي شيء، وماتزال المصائب تزخّ عليَّ وابلها كمجرم لعين. أغمضت عينيها، فتسللت من بين رموشها دمعات كقطع الجمر، غرقت في سكون للحظات دون تفكير بأي شيء، وكأنها خارج نطاق الحياة. صوت موسيقا عذبة من بيت الجيران، أعادها من ذلك السكون، موسيقا هادئة كالتي تحب سماعها، فتحت عينيها، ابتسمت ابتسامة صغيرة، وضعت يدها على قلبها، همست: _لقد نسيتك في زحمة مشاكلي، وهمومي، كم تمنيت لو أننا مارسنا حقنا في التمتع بمشاعرنا، كم وددت لو لم تصادر منا أحاسيسنا، ولم نمنع من أن نَحب، ونُحب! تبّاً لكل ظالم لم يخَف الله فينا، تباً لك مجرم لم يراعِنا، وسعى لتجريدنا من إنسانيتنا!!

قد يعجبك ايضا