سنعرف اليوم من هو الشخص الوحيد الذي وقف مع غزالة وأحس بانكسارها أمام غبن الأهل.. فمن هو ياترى؟.

0 61

تنهدت بشرى، وخلعت شالها الأزرق البحري، الذي أخذ لونه من زرقة البحر، وحلت ربطة شعرها المصنوعة من الصوف الزهري المقصب، وحركت رأسها بخفة لتنفرد خصله الشقراء الطويلة على ظهرها وصدرها، كشلال ذهب صاف، يبهر النظر، فراحت غزالة تمسك بأطرافه، وتلعب بتلك الخصل الذهبية، التي تشبه شعر الأميرات في قصص الأطفال، وقد تلألأت عيناها منبهرة بهذا الجمال الفريد، ثم قالت:
والله أنك تشعين جمالاً يا بشرى، تبّاّ لكل من ساهم بدفن هذا الإبداع الإلهي! بابتسامة محاطة بحزن شديد، تقول بشرى: كلامك يشبه كلام أبو عزو، كان يقول لي، أنت أميرة قلبي، أميرتي التي خرجت من كتب العشق القديمة من غابر الأزمان.
تصمت قليلاً، ثم تتابع:
كان يحب أن أهتم بشعري كثيراً، فهو يحبه جداً، وقد أخبرني أنه كان يعجبه شعري منذ كنت صغيرة، وقبل أن أضع الحجاب وألتزم به، فهو يكبرني بخمسة عشرة عاماً، وقد كان يراني طفلة جميلة. تبدأ غزالة بخلع شالها، وهي تبكي بدون صوت، وقد تسمرت عيناها بالفراغ، وكأنها تشاهد شيئاً يشد نظرها نحوه بقوة، نزعت الشال، وحلّت ربطة شعرها، وراحت تخلل أصابعها بين خصله القصيرة، والذي بدا متعباً متقصفاً، وبحاجة لعناية وعلاج، تعجبت بشرى لما رأته فقالت بلهفة واستغراب: ما هذا؟!… لم أتوقع أن يكون شعرك على هذا الشكل! لكنه يبدو متعباً، وأراه يتساقط بكثرة، وأمسكت ببعض منه وسحبت منه شعيرات خرجن بسهولة في يدها.
أخذت غزالة تبكي بصوتٍ عالٍ هذه المرة، وتقول وهي تسحب بيدها المزيد من الشعر المتساقط:
لقد قتلته كما قتلتني يا بشرى، لقد أماتت فيه الحياة، كما فعلت معي. وزاد نحيبها أكثر، أسرعت بشرى بضمها، وقاسمتها وجعها، ونحيبها، وهي تصرخ: رباه ما هذا البلاء!… أنستحق كل هذا؟!
وتابعت غزالة تسرد قصة شعرها المبتور على أيدي أناس خالين من الإنسانية:
كنت مرة أرسم، وأنا بدون حجاب، ولم أكن وقتها ألتزم به بعد، فوبختني بألفاظ جارحة جعلتني أبكي بمرارة، فذهبت للغرفة الثانية، وأمسكت المقص، وفردت شعري، ثم جمعته بيدي، وقصصته خصلة، خصلة، كنت أقص معه أحلامي، وبعضاً من أنوثتي، التي لم تكن قد نضجت بعد. صاحت بشرى: لا سامحها الله.
واصلت غزالة سرد أوجاعها:
كنت أضع شعري المعاقب بتهمه العظيمة في حجري، كل ما قصصت خصلة، قبلتها وألقيت بها فوق أخواتها، ودموعي تنسكب فوقها لتبللها للمرة الأخيرة، قبل أن أحفر حفرة تحت شجرة الزيزفون، وأدفنه، ومنذ ذلك اليوم لم يزد طوله، وبدأ يتقصف ويتساقط، ويفقد لمعانه ورونقه، بعد أن كان طويلاً ناعماً بلونه الخرنوبي الجميل. تبتعد بشرى عنها، وتنظر بعينيها، وتقول: كم مرة يجب أن تعاقب أمك؟، كم جريمة ارتكبت بحقك!، والله لو أنها قتلتك برصاصة، ومتِّ، لكان أرحم لك من كل ما فعلته بك، لقد تسرب الحزن، والنكد لشعرك فتهاوت قواه وقلّ نشاطه، وشاخ قبل الكبر، بفعل أمك الجاحد، تغلغل حزنك، وشجنك لجذوره التي أصابتها لعنة أمك الأبدية.
كانت النساء في المركز مشغولات كل واحدة بوجعها، أم علوش تقوم بتدريب صغيرها، ولميا الطفلة المصابة بتقوس حاد بظهرها، مشدودة بقوة إلى الحائط، وغزالة تجلس على السرير، وقدمها بين يدي الممرضة تعمل لها مساج الزيت، أما بشرى، فتحرك بقدميها اللتين أصبحتا أرشق بعد متابعة المعالجة، عجلات الدراجة الثابتة.
حين دخل الأستاذ جاسم مع الطبيب المعالج، بعد الاستئذان بالدخول.
اقترب الطبيب من غزالة، وقال:
الأستاذ جاسم يريدك أن تصممي بطاقات لمكتب السيارات الذي يعمل فيه محاسباً. نظرت غزالة إليه، ثم نقلت نظرها للأستاذ جاسم، وقالت: لكنني لا أتقن هذا العمل، بحيث يرقى لتصميم البطاقات لمكتب سيارات، إنها مجرد هواية.
لا تقولي ذلك يا غزالة، لقد رأيت التصاميم الجميلة، والمميزة التي صممتها. تبتسم بلطف، وتنظر للممرضة، وتقول: أنت السبب، أنت من أرسلت تلك التصاميم للدكتور.
فتضحك الممرضة، التي تجمعها بالجميع علاقة طيبة حميمة، وخصوصاً غزالة التي ألِفتها وبات بينهما تواصلاً عبر الانترنت، ثم قالت:
أجل أنا من أخبرته بشأن التصاميم، وطلبت منه أن يذكر عملك إذا احتاج لإبداعك أحد، أنت مبدعة يا غزالة، تصاميمك وأفكارك جذابة ومميزة. طغى الخجل على وجهها اللطيف، واحمرت تلك الخدود المجرحة بفعل الدموع المتساقطة عليها دائما، ثم قالت وبسمة تواضع منثورة عليها كزهرات الياسمين المتساقطة على أرض خصبة: لقد أخجلتموني بإطرائكم الجميل، حسناً أنا جاهزة بما تريد يا أستاذ جاسم.
قالت هذا، وهي تسرق النظر للطبيب، والأستاذ جاسم بحيائها المعتاد، والمألوف لدى الجميع.
إنه الليل الموشح بعباءة التفكير والأرق، والسهاد الذي لا يعرف معنى الرحمة، جلست غزالة في الغرفة المهجورة إلا من أنفاسها المثقلة بأحمال عظام، وبدأت تعمل على التصميم الذي طلبه منها الأستاذ جاسم، إنه أول عمل تقوم فيه بعد نزوحها للمخيم، وستتقاضى عليه أجراً، كما قال لها الأستاذ جاسم، فصاحب المكتب، طلب منه أن يصمم بطاقات عند أي مصمم، وقد اختارها، بعد أن أخبره الطبيب بأنها فنانة بهذا العمل.
قالت في سرّها، وهي تعمل على جوالها:
يا ليتني أجد عملاً في المخيمات، يا ليتني أستطيع العمل والحصول على مال لا أريد أن أطلب من أحد. ثم نظرت للخزانة الصغيرة المتصدرة واجهة الغرفة الجنوبية وقالت بصوت مسموع: كم حلمت أن أملأك بتلك الثياب الجميلة التي تمنيت شراءها ولم أستطع.
ثم وقفت، بعد أن وضعت الجوال جانباً، واتجهت نحو الخزانة، وفتحت درفتيها، وراحت تتأمل محتوياتها، الصندوق الليلكي، ودفاتر الرسم، والألوان، والصور، وبعض الثياب التي مضت على استعمالها سنتان وأكثر، وعلّاقات الثياب الفارغة، التي بدأت تتحرك بفعل فتح باب الخزانة، وكأنها تقول لغزالة:
لا تحزني، سنحمل يوماً ما ثيابك الجميلة، التي طالما تمنيت شراءها، والتمتع بارتدائها. أغلقت باب الخزانة، وعادت للجوال لتكمل التصميم الذي وعدت الأستاذ جاسم بإنهائه بسرعة. صوت زيد وهو يناديها، قادم من الغرفة الكبيرة: غزالة أين أنت؟
أنا هنا في غرفة المحامل، وسميت غرفة المحامل، لأن فيها ثلاثة محامل خشبية، حملت عليها الكثير من الأغراض وأثاث البيت، السجاد، والاسفنج، والوسائد، والأغطية. دخل زيد الغرفة، وقال لها: ماذا تفعلين؟!
أعمل كما ترى، أقوم بتصميم بطاقات لمكتب سيارات. يقترب زيد، وينظر في شاشة الجوال، ثم يبتسم، ويقول: جميل، أحسنت بالعودة للعمل، منذ زمن لم أراكِ تصممين، أو ترسمين!
تتنهد، وتقول، بعد أن تطفئ الجوال:
كيف سأرسم، وأنا على هذا الحال! ألم تنسي بعد!… انسي كل ما جرى يا أختي.
تقف غزالة ملهوفة، وتقول بحدّة:
كيف أنسى عمري، وأيامي، التي أريقت بعتبات الظالمين، كماءٍ لا صاحب له؟! لكن يا أختي، لن يفديك شيئاً أن تبقي تحملين كل هذا الألم الأسود في داخلك.
بلى يفيدني، يفيدني، إنه يذكرني بمن دمروا حياتي، وسلبوني كل أسباب السعادة. أنت تجلدين نفسك يا غزالة، ما تفعلينه حرام، لقد ظلموك وأنت الآن تظلمين نفسك!
تهدأ غزالة وتجلس بهدوء، وتسند ظهرها للحائط، وتقول:
نعم صدقت بهذا، لكنني لا أستطيع نسيان ما جرى، لا أستطيع اقتلاع ما زرعته في قلبي من حقد دفين. يتنهد زيد بقوة، ويقول مستسلماً: لا أدري ما أقول، لكنك اليوم لست كأمس، أنت الآن أقوى، وقد فرضت شخصيتك، ووجودك في العائلة.
نعم فعلت هذا، لكنه لم يُعَدْ لي عمري المغتصب. قالت هذا، ووضعت رأسها فوق قدميها اللتين ثنتهما وضمتهما لصدرها. خرج زيد من الغرفة، وهو يقول: لقد أحضرتُ طعاماً لي، اتبعيني لنأكل معاً، لم آكل منذ الصباح.
أغمضت عيناها، وقالت بصوت منخفض جداً:
الحمد لله، أنه يوجد من ينتبه أنني لا آكل. ثم فتحت الجوال، وحاولت أن تكمل العمل، لكنها لم تستطع، فقد تشتتت أفكارها، وحرك حديث زيد ما كان ساكناً في روحها الحزينة. فاتصلت ببشرى، لتخرج نفسها من دائرة الضياع، والوحدة، والتفكير، قالت لها بعد أن سلمت عليها: أشعر أنني أختنق يا بشرى، إنني وحيدة في هذا البيت.
ألم تتحسن علاقتك بأهلك بعد؟ لا، لقد انكسر شيء بداخلي لن يجبره جميع اعتذاراتهم.
كم هو صعب أن تعيشي معهم، وفي قلبك كل هذا الكره لهم. لا يا بشرى، أنا لا أكرههم، أنا أكره ظلمهم لي، أكره ضعفي وسماحي لهم بالتطاول علي.
صحيح أنني أتحدث، وآكل، وأجلس معهم، لكنهم أبعد الناس عني. آه يا غزالة، لست أفضل حالا منك، فمنذ أن خطبني أبوعزو، ونيران جهنم تحيط بي، فمايسة تعاملني، وكأنني ارتكبت جرماً فظيعاً.
وصمتتا معاً بلحظة واحدة، وكأنهما سئمتا الكلام بما يجري معها من معاملة وحشية جاحدة لا تمت للإنسانية بصلة من ذويهما، الذين تشابهوا بالفكر، والعادات، والتقاليد، والمعتقد، فهم من مجتمع واحد، ضمته جنبات منطقة واحدة.
رياح ساخنة كانت تضرب وجه غزالة، وهي ذاهبة مع زيد للمركز، فالوقت ضحى في شهر تموز اللاهب، والحرارة تكاد تذيب كل ما أتت عليه!

قد يعجبك ايضا