لذة الانتصار…

787

ريما خطاب | شبكة مراسلي ريف دمشق

لم يستطع ذلك “الضمور” أن يأخذ من عزيمة آمنة وإصرارها على المضي والاستمرار،
فرغم أنه استطاع منعها من السير على أقدامها، إلا أن ذلك لم يمنعها من الذهاب إلى المدرسة البعيدة عن البيت.
كان الأب يوصلها يوميا إلى المدرسة على الدراجة النارية، أما عودتها فكانت لوحدها تعود مستندة على ال “ووكر” “الووكر: عكاز من حديد ذو أربع قوائم يستند عليه أصحاب الاحتياجات الخاصة أثناء المشي”، ويأخذ الطريق نصف ساعة منها مع جهد وألم كبيرين لا يطاقان.
للعلاج طريق طويل محفوف بالأوجاع التي تنتزع الروح قبل أوانها!!!.
ومع ذلك… كانت آمنة مداومة على علاجها، آملة بتحسن وضعها الصحي الذي ولد معها، لكنه انتظر سنة، ثم بدأ يظهر، ليرسم لها ترتيب حياة مختلفة، ويفرض عليها أن تتصف بالقوة والعزيمة.
الأهل المتفهمون، الراضون بقضاء الله وهبته لهم بآمنة “دلوعة” العائلة، وحبيبة الجميع، كانوا الحاضنة الحنون، ومصدر ثقتها في نفسها وقدراتها.
فالأب لا يكل ولا يمل، من الحديث المفعم بالفخر عن ابنته سر سعادته، هو وأمها، والأم لا تدّخر جهداً بالبحث عما يدخل الفرح والأمل لقلب آمنة، بسمة العائلة ونكهتها.
بعد سنينها الستة في المرحلة الابتدائية، التزمت آمنة البيت، فرحلتها الشاقة اليومية إلى المدرسة أرهقت كاهلها.
طموحها وحبها للحياة يدفعانها نحو مستقبل حلمت بألا تركنها أيامه في زواياه المعتمة.
فبدأت بتعلم نسج الصوف “وشغل السنارة” بعد أن رأت نساء قريبات لها يعملن في هذا المجال.

وبإشراف من الأم الحنون، كانت تتقدم بسرعة ملحوظة في تعلم النسيج، ليس هذا وحسب، بل راحت تبدع بابتكار أفكار جديدة، تضع فيها لمساتها الفنية الرائعة، والتي تنم عن مكنون عظيم من سحر وجمال بدأ يطفو على وجه ما رتبته يد القدر بحكمة من الخالق لفتاة كآمنة،
تضج بالإحساس المرهف وطيبة القلب وحنان ارتسم على وجهها الطفولي،
واتشحت به عيناها البراقتان، كلؤلؤتين خرجتا توا من لجة البحر الأزرق.
كنحلة نشيطة راحت آمنة تعمل بجد وإتقان، فنسجت الثياب الجميلة المحلاة بأزهار ربيعية للصغيرات، والطواقي المزركشة بألوان زاهية وأشكال مختلفة من “الخف” ولفحات ملونة، ومجسمات حيوانات أليفة محببة للأطفال،
ومزهريات ملأتها بشتى أنواع الورود، وأشياء أخرى تزين بها جدران البيوت.
لم يذهب تعب وجهد آمنة سدى، فقد جمعت كل ما نسجته يداها الحريريتان وشاركت في معرض للأشغال اليدوية، ولاقى إنتاجها المميز قبولاً واستحساناً من الجميع، فكان هذا النجاح حافزاً أكبر لها لمتابعة مسيرتها نحو الإبداع والتجدد والتألق، وما زالت جذوة أحلامها تتقد داخلها، تنتظر فرصاً أخرى لتساعدها على إبراز مواهبها وإمكانياتها المخبأة في صندوقٍ من زجاج.

آمنة لم تستسلم للنظرات الجارحة، وهمس الآخرين ولمزهم، ولم تلقِ بالاً لكلماتهم المبطنة بالمحبة المصطنعة،
وبرغم ما عانته وتعانيه من نظرة المجتمع لمن في وضعها “ذوي الاحتياجات الخاصة”،
إلا أنها تمضي قدماً بجسارة وثقة ساعيةً نحو تحقيق الأحلام وإثبات الوجود، لتخبر العالم بأسره بأن الإعاقة ليست في عدم القدرة على المشي، بل الإعاقة في الاستسلام والركون لأي طارئ يلم بالإنسان.

قد يعجبك ايضا