ثأر حفصة

95

ريمة خطاب | شبكة مراسلي ريف دمشق
كنا واحداً وعشرين شاباً مع حفصة على مفرق الطريق الذي يوزع شعابه بين القرى والبلدات، حيث صنعنا خندقاً عميقاً، خلف ساتر ترابي عال، ننتظر مرور رتل الدبابات التي علمنا بذهابها للقرى القريبة من المحافظة لتعزيز نقطة عسكرية له تمركزت هناك، أخذنا الإشارة من حفصة بالبدء بإطلاق النار على الرتل الذي اقترب من الكمين.
بدأنا بتنفيذ الخطة التي وضعناها ، بمفاجأة العساكر بخروجنا من الخندق، وضربه بالنار، حين يكون قد بدأ من خلف الساتر رفاقنا بإطلاق النار أيضاً، فنكون بذلك قد أطبقنا عليهم كالكماشة.
نصرُنا المؤزَّر، وأسرُنا للعساكر والدبابات التي اغتنمناها، كانت فرحة عارمة عمَّت نشوتها جميع المناطق،
كانت حفصة تطبخ لنا بعض الأطعمة، التي كنا نشتاق أن نأكلها من تحت أيادي أمهاتنا، اللواتي كانت تمر أياماً وأحياناً شهور لانراهن.
وكنا نرى في حفصة أماً حنونة رؤومًا، نلجأ إليها بأوقاتنا العصيبة.
حفصة عذراء المنطقة، ابنة الثامنة والخمسين عاماً.
الوحيدة المتبقية من عائلتها، بعد قتل أبويها وإخوتها في مذبحة القرية، يوم دخل رجال النظام المجرم، وقاموا بذبح كل من كان في القرية.
أما هي فقد كانت مرابطة مع الثوار على أحد الثغور، لم تحرمها طول سنينها، من قوتها وعزمها الذي احتفظت بهما دائماً، فجسدها الذي ترعرع تحت أشعة الشمس، وعلى الأرض التي طالما صافحتها بكفوف فلاح نشيط، ضج بالحياة والقوة والليونة، وهذا ماكان يساعدها على تحمل مشاق الرباط، والقتال الذي عرفت ببسالتها فيه.
جُنَّ جنون رؤوس النظام المكلفين بحرق المنطقة وحرقنا، بعد أن حققنا انتصارا هزَّ أركانهم بالكمين، فراحوا يتخبطون ويتوعدون، ويحشدون جيوش حلفائهم من الروس والإيرانيين.
اجتمعنا مع باقي الفصائل، لنعد العدة لتلك المعركة القادمة بكل أنوع الحقد.
أشرقت شمس ذلك اليوم الذي توقعناه، وانتشرت طائرات السخط والحنق في السماء، وتمركزت المجنزرات في المداخل الرئيسية لكل بلدة وقرية، فكان يوماً بأهوال عظيمة مرعبة.
أصوات الانفجارات وصفير الصواريخ، يصم الآذان، ودخان الحرائق التي انتشرت غطا وجه السماء.
توزعنا على شكل فرق صغيرة، كل عشرة ثوار في جهة، وقمنا بزرع الألغام مسبقاً في كل طريق سلكوه.
وقد تم الاتفاق على إشارة تهيب بالناس بالاختباء، في الأقبية المعدة والمجهزة بما يلزم لهذا اليوم.
كانت معركةً ضروسـاً طاحنةً، لم ترحم كل من يقف في طريقها، انتشرت روائح الموت في كل مكان، وصبغت الأشياء بلون الدم.
حلَّ ظلام ذلك اليوم الذي أخذ من الأرواح الكثير، وأنهك من بقي حيًّا، بوصب غمر الروح والجسد.
كنت مع حفصة نستطلع وضع مجنزرات العدو، حين انفجرت قنبلة يدوية بالقرب من الشباب الثلاثة اللذين كانوا من فرقتنا، فاحتمينا بحجارة كبيرة تناثرت في البستان، لأنهم أحسوا بتربصنا بهم، وانتشروا يبحثون عنا.
أسندنا ظهرينا لحجر كبير، وحبسنا الأنفاس، المتسارعة، نظرت حفصة إلي وهمست:اسمع يابني، لقد كشفوا أمرنا، ولابد أنهم سيجدوننا ولن يتوانوا عن أسرنا أو قتلنا، فتحت عينيَّ وكأني أسمع بهما وليس بأذني، ثم تابعَت بعد أن رفعت قطعة من ثوبها الأسود والذي تعددت طبقاته:

انظر.
ياإلهي، حزام ناسف، رُصَّ بأنواع متعددة من المتفجرات الفتاكة!!.
ماهذا ياخالة!!!
قالت بثقة الأبطال:

حزام ناسف، ارتديته تحسباً لهذا الموقف، ولطالما توقعته، فأنت تعلم أنني أخوض المعارك، وقد أخذَت نفساً جعلني ولأول مرة أشعر بأن الخالة حفصة امرأة عجوز!!!
ثم استطردَت:

في أحداث الثمانينيات، حين عمّت فوضى الظلم والقمع، كنت في العشرين من عمري، مقبلة على الحياة بأحلام وردية اشتركت بها مع خطيبي أسعد، الذي تفاعل مع الأحداث آنذاك بعنفوان الشباب، وإحساسه الوطني العال، فكان مصيره كمصير كل من حرّك سكون ذلك الاستبداد والظلم، قضى سنيناً في معتقلاتهم، ثم أُعدم مع رفاقه، وأعدم معه كل أمل وفرحة كانت في حياتي.
فلبست الأسود، الذي لم أنزعه منذ تلك الحادثة، وحين بدأت أحداث الثورة، علمت أنها استمرار لتلك الموؤودة في الثمانينيات، وقد بعثت من جديد، لنطهر أرضنا من الأنجاس المغتصبين.
تركت المكان بأقصى سرعة لدي، كما طلبت مني، بعد أن ودعتني.
أضاءت المنطقة التي تجمعت فيها المجنزرات، وتناثرت الأشلاء حين فجرت حفصة نفسها بالحزام الناسف، وأنهت معركة ذلك اليوم بانتصار يصل ثورة الماضي بثورة الحاضر، التي ستتوج بنصر يصنعه أمثال حفصة.

قد يعجبك ايضا