دموع الرمال

0 101

في ظلمة تخللتها بعض خيوط النور من الشقوق التي باعدت بين بلوك جدران الغرفة، سجدت على سجادة الصلاة، انتهت من الصلاة، وضعت يديها على بطنها، ضغطت بقوة، رفعت رأسها، نظرت للأعلى، ارتجفت شفتاها وثقلت الكلمات على لسانها، أرادت البوح بوجعها الذي غصّت به الروح بصوت عال، واستوطن العيون،
استجمعت مابقي لديها من قوة بعد أن دفنت الصدمات أحلامها بالأمومة، وقالت بصوت كست نبراته بحة شجية:
إلهي من للمكسورين غيرك!!.
إلهي اجعل لي في هذا الرحم حياة.
طرقات الباب القوية أفزعتها، وأبعدتها عن هالة الخشوع التي أحاطتها وهي تناجي الله.
فتحت الباب مسرعة، إنه زوجها، والغضب والهلع واضحا على وجهه الذي راح يقطر سخطا، صرخ فيها معاتبا:

  • لماذا لم تخبريني بأن العملية لم تكن ناجحة؟، ولم يعد بإمكانك الإنجاب لأنها أخر محاولة!!.
    لم تجبه على أسئلته الهاربة من جوف الحقد، والذي غُذِّي بنيران الكراهية من الجارة أم خليل، وذلك من مخططاتها كي تقنعه بالزواج من ابنتها حسناء.
    حدقت بعينيه المفتوحتين بشدة، وقد تطاير الشرر منهما، أمسك يديها بقوة وراح يهزها لائما:
  • أنا لم أعد أحتملك، أنت شجرة بدون ثمر، وأنا أريد أن أصبح أبا، أريد أن أرى أولادي قبل أن أموت،
    عمري يهرب مني وأنا أنتظر أن يخضر جسدك الذي يتزايد جفافه يوما بعد يوم،
    لم تفلح العمليات ولا الأدوية، ولا الأعشاب في جعل رحمك صالحا للإنجاب، وأنا لن أصبر بعد على كل هذا، اذهبي لبيت أهلك وسأطلقك في المحكمة غدا، لأني سأتزوج وأنجب الأطفال الذين حرمت منهم سنين بسببك.
    كانت كلماته تمزق أوردتها التي راحت تنزف أسى ووجعا لن ينقطع أبدا ماعاشت.
    أمضت اسبوعها الأول في بيت أهلها طريحة الفراش، قد افترسها الحزن والشجن، فما زالت كلماته الجارحة تخز قلبها كسهام من نار.
    دخلت أمها تحمل الطعام، وضعته بالقرب منها، وقالت بحزن:
  • يجب أن تأكلي يابنتي، فلن تتماثلي للشفاء إذا بقيتِ بدون طعام.
    قالت يعد أن تحركت قليلا بتعب:
  • لا أستطيع يا أمي، ليس لدي شهية للأكل.
    نظرت في عيني أمها، وكأنها تذكرت شيئا وقالت:
  • أمي لقد قال لي أن الشجرة اليابسة يجب قلعها، وزرع شجرة غيرها شجرة خضراء تزهر وتحمل الثمار،
    ماذا يقصد؟.
    لماذا قال هذا؟!.
    أخذت أمها نفسا عميقا، وقالت:
  • انسي يا بنتي، زوجك رجل قاسٍ بلا رحمة، انظري كيف طلقك ولم يقدر سنين عمرك التي قضيتيها معه،
    إنه أناني حقود.
    قالت ودموع المرارة تنزل على خديها:
  • لكن يا أمي ماذنبي لتكون هكذا عاقبتي؟، أنا لم أخبره بما قال لي الطبيب لأنه وكما قال أنه يوجد أمل. صحيح أن العملية لم تنجح مئة بالمئة، لكن يوجد أمل، لقد فاجأني أن الطبيب أخبره بأنه لن أستطيع الإنجاب أبدا.
    تنهدت الأم وقالت:
  • كفي عن تعذيب نفسك، وانْسَيْ كل ماكان مع هذا الخائن،
    خائن؟!!!
    نعم خائن، أنت تتعذبين وتتألمين، وهو يعيش حياته سعيدا مع زوجته الجديدة حسناء ابنة جارتك،
    شهقت وبرزت عيناها وتغير لون وجهها لهول ماسمعته، قالت:
  • تزوج حسناء؟!!
  • نعم تزوجها، منذ أن جئت إلينا تحملين طلاقك وخراب بيتك قهرا وسقما في جسدك.
    بعد شهرين كانا في المشفى، وقد كانا أصعب أيام حياتها، جاءت أمها من البيت، فقد ذهبت لتجلب لها بعض الثياب، دخلت الأم مسرعة، وقالت، فيما لهاثها يسبق كلامها:
  • لقد رأيت في الطابق الأول للمشفى جارتك أم خليل، وقد خرجت من قسم العمليات، سألت إحدى الممرضات عنها، فقالت:
  • أنها جاءت منذ الصباح بحالة إسعاف هي وابنتها وزوجها، فقد تعرضوا لحادث سير، وابنتها خضعت لعملية إجهاض، واضطر الأطباء لاستئصال رحمها بسبب النزيف الشديد الذي قتل الجنين.
    تنفست الصعداء وتابعت:
  • انظري يا بنتي لحكمة الله وتدبيره،
    بكت بصوت تجاوز جدران الغرفة، وقالت وهي تضع يديها على بطنها وقالت:
  • لو تعلمين حجم الألم حين تضعين يديك على بطنك وتقولين:
    ( ياالله، يامحيي العظام وهي رميم، لما استغربت من هذا يا أمي،
    لقد اخضرت الشجرة اليابسة، وأزهرت وأثمرت، حتى بعد اقتلاعها من جذورها.

قد يعجبك ايضا